|
بسم الله الرحمن الرحيم
حقيقة اختلاف السلف في
تفسير القرآن الكريم
بين أهل السنة -خاصة منهم ابن تيمية في رسالته
"مقدمة في أصول التفسير" والزركشي في كتابه "البرهان في
علوم القرآن" والسيوطي في كتابه "الإتقان في علوم القرآن"-
أن السلف لم يختلفوا في تفسير القرآن الكريم ، بل قد يكون
ذلك ممتنعا في حقهم لأنهم كانوا معتصمين بالكتاب والسنة .
ولما قرروا هذا الأصل راحوا يوضحون أن اختلافهم في تفسير
آية من آيات الذكر الحكيم ليس اختلافا تضاد بل هو اختلاف
تنوع ، وفي ذلك يقول الزركشي :"يكثر في معنى الآية أقوالهم
واختلافهم ، ويحكيه المصنفون للتفسير بعبارات متبانية
الألفاظ، ويظن من لا فهم عنده أن في ذلك اختلافا فيحكيه
أقوالا وليس كذلك، بل يكون كل واحد منهم ذكر معنى ظهر من
الآية ، وإنما اقتصر عليه لأنه أظهر عند ذلك القائل أو
لكونه أليق بحال السائل وقد يكون أحدهم يخبر عن الشيء
بلازمه ونظيره والآخر بمقصوده وثمرته والكل يؤول إلى معنى
واحد غالبا، والمراد الجميع فليتفطن لذلك ، ولا يفهم نم
اختلاف العبارات اختلاف المرادات".
إلا أن ابن تيمية في رسالته يعترف أن هناك اختلافا
محققا بين السلف في التفسير خاصة فيما يتعلق بالأحكام .
ولكنه يرى أن اختلافهم قليل جدا وهذا يعود -في نظره- إلى
شرف عصرهم . وهو في ذلك يتأول حديث رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- خير أمتي القرن الذين بعثت فيهم ثم الذين
يلونهم ثم الذين يلونهم".
وهو يقول في ذلك :"كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن
قليلا جدا ، وهو إن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة
فهو قليل إلى من بعدهم، وكلما كان العصر أشرف كان الإجتماع
والإئتلاف والعلم والبيان فيه أكثر"
.
وبعد أن بين ابن تيمية -رحمه الله - أن اختلاف
السلف في التفسير قليل وغلطهم يسير بالمقارنة مع اختلاف
وغلط من جاء بعدهم، وأرجع ذلك إلى عتصامهم بالكتاب والسنة
، ونقاء سريرتهم ، وصلاحهم وتقواهم ، مما عبر عنه بصلاح
عصرهم، انتقـل إلى بيـان أن اختـلافهــم في التفسير هو
اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد ، وأرجع ذلك لأمور نجملها فيما
يلي :
1- تعبيرهم عن المراد بألفاظ بين المترادفة والمتباينة ،
وإن كان في كل منها إضافة دلالية ليست في الأخرى ولكنها
تؤول إلى عين الشيء، من ذلك أسماء الله الحسنى ، وأسماء
الرسول -صلى اللهع عليه وسلم- وأسماء القرآن فهي كلها تدل
على مسمى واحد.
وإن كان بينها فروق دلالية واضحة ، لكنها لا ترقى إلى أن
تجعلها ألفاظا متباينة . وبعد هذا الطرح النظري يضرب لذلك
مثلا عمليا فيقول : "مثال ذلك تفسيرهم للصراط المستقيم ،
فقال بعضهم : هو القرآن - أي اتباعه... وقال بعضهم هو
الإسلام . فهذان القولان متفقان لأن دين الإسلام هو اتباع
القرآن ، ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر ، كما
أن لفظ "صراط" يشعر بوصف ثالث . وكذلك قول من قال : هو
السنة والجماعة ، وقول من قال : هو طريق العبودية ، وقول
من قال : هو طاعة الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم -
وأمثال ذلك، فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة لكن وصفها
كل بصفة من صفاتها"
.
2- أن يكون اللفظ عاما فيذكرون بعض أنواعه على سبيل
التمثيل لا على سبيل المطابقة : "الصنف الثاني أن يذكر كل
منهم نم الإسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه
المستمع على النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في
عمزمه وخصوصه ، مثل سائل أعجمي سأل عن مسمى لفظ "الخبز"
فأرى رغيفا وقيل له : هذا ، فالإشارة إلى نوع هذا لا إلى
الرغيف وحده.
مثال ذلك ما نقل في قوله :{ ثم اورثنا الكتاب
الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد
ومنهم سابق بالخيرات}.
فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات والمنتهك
للحرمات. والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات.
والسابق يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات .
فالمقتصدون أصحاب اليمين والسابقون أولئك المقربون.
ثم إن كلا منهم يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات،
كقول القائل : السابق الذي يصلي في أول الوقت . والمقتصد
الذي يصلي في أثنائه . والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى
الإصفرار، أو يقول : السابق والمقتصد والظالم قد ذكرهم في
آخر سورة البقرة ، فإنه ذكر المحسن بالصدقة ، والظالم بأكل
الربا والعادل بالبيع ..."
.
وهذا ليس اختلافا حقيقيا بل هو من قبيل ذكر أنواع
متعددة لجنس واحد .
3- ما يكون من قبيل المشترك اللفظي ، أو ما كان متواطئا في
الأصل وأريد به أحد النوعين أو الشيئين ، وما كان ذلك شأنه
فقد تحمل عليه اقوال السلف كلها، وقد تحمل :"ومن الأقوال
الموجودة عنهم ويجعلها بعض الناس اختلافا أن يعبروا عن
المعاني بألفاظ متقاربة لا مترادفة، فإن الترادف في اللغة
قليل ، وأما في ألفاظ القرآن فإما نادر وإما معدوم، وقل أن
يعبر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع معناه ، بل يكون فيه
تقريب لمعناه وهذا من أسباب إعجاز القرآن ، فإذا قال
القائل :{يوم تمور السماء مورا}:
إن المور هو الحركة كان تقريبا ، إذ المور حركة خفيفة
سريعة ، وكذلك إذا قال : الوحي الإعلام ، أو قيل : أوحينا
إليك انزلنا إليك ، او قيل : {وقضينا إلى بني إسرائيل}
أي أعلنا ، وأمثال ذلك ، فهذا كله تقريب لا تحقيق"
.
4- معرفة أسباب النزول : فقد يذكر كل واحد من السلف سببا
لنزول الآية أو السورة غير ما يذكره الآخر ، وكلاهما صادق
فيما أخبر به ، إذ قد تكون نزلت عقب تلك الأحداث كلها
فاعتقد كل واحد منهم أنها نزلت في حادثة معينة، أو قد تكون
نزلت مرتين أو أكثر لأسباب مختلفة : "ومعرفة سبب النزول
تعين على فهم الآية ، فإن العلم بالسبب يورث العلم
بالمسبب، وإذ ذكر أحدهم لها سببا نزلت لأجله ، وذكر الآخر
سببا فقد يمكن صدقهما بأن تكون نزلت عقب تلك الأسباب ، أو
تكون نزلت مرتين، مرة لهذا السبب ، ومرة لهذا السبب"
.
أما بالنسبة لاختلاف السلف في الأحكام فقد بين -أي
ابن تيمية- أن اختلافهم ذلك لم يكن عن قصد ولا عن تعنت وحب
ظهور ، ولا عن إعراض عن كتاب الله وسنة نبيه، بل هو راجع
إلى أمور خارجة عن إرادتهم ، ولا دخل لهم فيها إطلاقا ،
وقد يمكن رد اختلاف السلف في الأحكام إلى أربعة أسباب :
أ- خفاء الدليل .
ب- عدم سماع الدليل .
ح- الغلط في فهم النص .
د- اعتقاد معارض راجح .
وقد عبر ابن تيمية عن ذلك بقوله :"والإختلاف قد
يكون لخفاء الدليل ، أو الذهول عنه ، وقد يكون لعدم سماعه
، وقد يكون الغلط في فهم النص، وقد يكون اعتقاد معارض
راجح"
.
وأما السيوطي فقد تحدث في كتابه "الإتقان في علوم
القرآن" عن أوجه اختلاف السلف في التفسير وأوضح أنه اختلاف
تنوع لا اختلاف تضاد ، واستشهد بكثير من الأمثلة الدالة
على ذلك مما يجعلنا في غنى عن سردها هاهنا
.
د.أحمد
بزوي الضاوي

أرسل لنا اقتراحك في خطة هذا البحث من خلال
مراسلتنا
اضغط هنا
.
بسم الله الرحمن
الرحيم "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ
الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ
الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ
الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)" سورة العلق.
على
اسم الله والشورى ، جعلنا الدين دستورا ، وسرنا في طريق الحق ، كان كتابنا النورا |