|
بسم الله الرحمن الرحيم
أسئلة فلكية
وإجاباتها
سؤال1
حقيقة رجُوم الشياطين
11/09/1427هـ
أخبر القرآن أن الشياطين ترمى بالنجوم. ما معنى
ذلك بالتحديد –أهي
المذنبات أم أنها النجوم الحقيقية تستخدم لمعاقبة
الشياطين؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول
الله؛ وبعد:
لم يصرح القرآن الكريم مطلقا بأن الشياطين تُرمى بالنجوم الثوابت،
وإنما اشتبه ذلك على البعض. فبين أعلام المفسرين أنها ترمى
بالشهب كما صرح القرآن
الكريم بذلك, يقول تعالى: "وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي
السّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيّنّاهَا
لِلنّاظِرِينَ. وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلّ شَيْطَانٍ
رّجِيمٍ. إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ
السّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مّبِينٌ" [الحجر:16-18]،
ويقول تعالى: "إِنّا
زَيّنّا السّمَآءَ الدّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ.
وَحِفْظاً مّن كُلّ شَيْطَانٍ
مّارِدٍ. لاّ يَسّمّعُونَ إِلَىَ الْمَلإِ الأعْلَىَ
وَيُقْذَفُونَ مِن كُلّ
جَانِبٍ. دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ. إِلاّ مَنْ
خَطِفَ الْخَطْفَةَ
فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ" [الصافات:6-10]، ويقول
تعالى: "وَأَنّا لَمَسْنَا
السّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً
وَشُهُباً. وَأَنّا كُنّا
نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ
الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً
رّصَداً" [الجن:8-9].
والشهب ظاهرة جوية تصحب سقوط النيازك
meteors,
ووفق
الموسوعة البريطانية قد تطلق التسمية على الأحجار النيزكية
ذاتها، وهي تمثل بالفعل
خطرا حقيقيا على كل عابر متجاوز الحدود المعهودة إذا
توانى. وتتواجد الكتل الحجرية
والثلجية بكثرة بين المريخ والمشتري في حزام الكويكبات،
وتحيط بالنظام الشمسي من كل
جانب بهيئة هالة مذنبية تسمى هالة أوورت
Oort Halo,
ويصلح لفظ (شياطين) أن
يوصف به
البشر إذا تجاوزوا الحدود المعهودة كما في قوله تعالى:
"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا
لِكُلّ نِبِيّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنّ"
[الأنعام:112]، وفي قوله
تعالى: "وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىَ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوَاْ
إِنّا مَعَكُمْ"
[البقرة:14]؛
الوصف بشياطينهم عائد على كبرائهم بجامع العتو والسيطرة.
قال ابن عباس
(رضي الله عنهما):
(كهنتهم ورؤسائهم) تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
المتوفى سنة
68
هـ والمنسوب
للفيروزأبادي المتوفى سنة 817 هـ, دار الكتب العلمية بيروت
- (ج1/ ص
3).
و(عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم:.. أما شياطينهم
فهم رؤوسهم في الكُفر) جامع البيان في تأويل القرآن لمحمد
بن جرير الطبري المتوفى
سنة 310 هـ تحقيق أحمد محمد شاكر مؤسسة الرسالة 1420 هـ -
(ج1/ص 397). وقال
السمعاني: (والشيطان كل عات متمرد من الجن والإنس. وأصله
البعد والامتداد, يقال بئر
شطون أي بعيد العمق والقعر، ويقال للحبل شطن لامتداده.
وسمي الشيطان شيطانا
لامتداده في الشر وبعده عن الخير. فأراد بالشياطين هاهنا
عتاتهم ورؤساءهم في الكفر)
تفسير السمعاني
لأبي المظفر منصور بن محمد السمعاني المتوفى سنة 489 هـ -
(ج1/ص20).
ومرد الشبهة أن الشهب تسمى وفق الرؤية الظاهرية بالنجوم المارقة أو
الهاوية
Shooting or Falling Stars,
ووفق ما سجلته المعاجم لا
تميز لغة العرب بين النجم
والكوكب، بينما ميز القرآن الكريم
بينهما على نحو يتفق مع الواقع كما في المصطلح
العلمي الحديث.
ووصف القرآن الكريم الشهب بالتوهج بلفظ مصابيح على نحو
يتفق مع
كونها ظاهرة ضوئية.
قال تعالى: "وَزَيّنّا السّمَآءَ الدّنْيَا بِمَصَابِيحَ
وَحِفْظاً ذَلِكَ
تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ" [فصلت:12]، وقال تعالى:
"وَلَقَدْ
زَيّنّا السّمَآءَ الدّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا
رُجُوماً
لّلشّيَاطِينِ" [الملك:5].
ومرد الإشكال إلى الفهم بأن الشهب المعبر عنها في
الآيتين الكريمتين تشبيها بالمصابيح لتوهجها هي النجوم
الثوابت. ولكن المحققين قد
دفعوا هذا الوهم وقالوا بأن النجوم ثوابت في مواقعها لا
ينقص عددها، وإنما المراد
هو الشهب دونها كما صرح بذلك القرآن الكريم نصا, قال
الخازن: (ليس المراد أنهم
يرمون بأجرام الكواكب) لباب التأويل في معاني التنزيل
لعلاء الدين أبي الحسن علي بن
محمد بن إبراهيم بن عمر المعروف بالخازن المتوفى سنة 741
هـ -(ج6/ص131). وقال ابن
عاشور: (والذي جُعل رُجوماً للشياطين هو بعض النجوم التي
تبدو مضيئة، ثم تلوح
منقَضَّة. وتسمى الشُهُب) التحرير والتنوير لمحمد الطاهر
بن محمد بن محمد الطاهر بن
عاشور الشهير بالطاهر بن عاشور والمتوفى سنة 1393 هـ -
(ج15/ص203). وقال الرازي:
(هذه الرجوم إنما
تحدث بالقرب من الأرض بدليل أنا نشاهد حركتها بالعين)
مفاتيح
الغيب لأبي عبد
الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين الرازي الملقب بفخر
الدين
الرازي المتوفى سنة
606 هـ -(ج15/ ص 402). و(لو كانت هذه الشهب هي تلك الكواكب
الحقيقية لوجب أن
يظهر نقصان كثير من أعداد كواكب السماء. ومعلوم أن هذا
المعنى لم
يوجد ألبتة. فإن
أعداد كواكب السماء باقية في حالة واحدة من غير تغير ألبتة..
(و)
هذه الشهب جنس آخر
غير الكواكب.. فالضمير في قوله (وجعلناها) عائد إلى
المصابيح،
فوجب أن تكون تلك
المصابيح هي الرجوم بأعيانها..
والجواب أن هذه الشهب غير تلك
الثواقب الباقية،
وأما قوله تعالى "وَلَقَدْ زَيَّنَّا السماء الدنيا
بمصابيح
وجعلناها رُجُوماً
للشياطين" فنقول (كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصباح
لأهل
الأرض إلا أن تلك المصابيح منها ما تبقى على وجه الدهر
آمنة من التغير والفساد،
ومنها ما لا يكون كذلك، وهي هذه الشهب التي يحدثها الله
تعالى، ويجعلها رجوماً
للشياطين وبهذا التقدير فقد زال الإشكال) مفاتيح الغيب
لأبي عبد الله محمد بن عمر
بن الحسن بن الحسين الرازي الملقب بفخر الدين الرازي
المتوفى سنة 606 هـ -(ج 13/ص
106).
وقال الألوسي: (وإطلاق الرجوم على النجوم وقولهم رمي
بالنجم يحتمل أن يكون
مبنياً على الظاهر للرائي، كما في قوله تعالى في الشمس:
(تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ
حَمِئَةٍ), وهذه الشهب ليست هي الثوابت، وإلا لظهر نقصان
كبير في أعدادها، بل هي
جنس آخر غيرها يحدثها الله تعالى، ويجعلها رجوما للشياطين,
ولا يأباه قوله تعالى:
"وَلَقَدْ
زَيّنّا السّمَاءَ الدّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا
رُجُوماً
لّلشّيَاطِينِ"؛ حيث أفاد أن تلك المصابيح هي الرجوم
بأعيانها؛ لأنا نقول كل نير
يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض.. والشهب من هذا
القسم، وحينئذ يزول
الإشكال) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع
المثاني لشهاب الدين محمود بن
عبد الله الحسيني الألوسي المتوفى سنة 1270 هـ -(ج 9 / ص
466). هذا والله تعالى
أعلم.
((())))
سؤال 2
هل ما نراه هو السماء الدنيا
فحسب؟!
هل الكون – فلكياً- هو السماء الدنيا، بحيث يكون
ما نراه هو السماء
الدنيا فقط، كما يقول معظم علماء الإعجاز العلمي؟ وما
الدليل على
هذا من القرآن؟ وإذا
كان هذا صحيحاً، فكيف يقولون: كان الكون متصلاً ثم انفصل،
بدليل الآية: "أولم
ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما",
والآية تتكلم عن كل السماوات وليس السماء الدنيا فقط, فكيف
نحل هذا الإشكال؟ وجزاكم
الله خيراً.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله, وبعد:
جوابا على
السؤال عن دلالة تعبير (السماء الدنيا)
في القرآن الكريم وموافقتها للواقع؛ أقول
مستعينا بالله
العليم القادر:
تنصرف دلالة لفظ (السماء) في القرآن الكريم إلى
موجودات تميزها
قرائن السياق؛ لأن أصل دلالته وجود في العلو, ولذا قالوا:
"السماء
هي كل ما علاك فأظلك", فقد يعني سقف البيت أو السحاب أو
الجو أو ما يصطلح عليه باسم
الفضاء, ووروده بالجمع بلفظ (السماوات) يدل لغة على طبقية
التكوين، فيعني تميز
الموصوف سواء الفضاء أو الجو إلى طبقات, وقد وصف الكون
بدقة في قوله تعالى:
"تَنزِيلاً
مّمّنْ خَلَق الأرْضَ وَالسّمَاوَاتِ الْعُلَى.
الرّحْمَـَنُ عَلَى
الْعَرْشِ اسْتَوَىَ. لَهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي
الأرْضِ وَمَا
بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثّرَىَ" [طه 4-6]، فلفظ
(الْعُلَى) جمع العليا تأنيث
(الأعلى)، فأفاد
وجود غيرها تماثلها في طبقية التكوين، وهو ما يتفق مع تشكل
الفضاء
لطبقات تميزها بروج
الأجرام وتشكل الجو كالأرض بالمثل طبقات, وفي قوله تعالى:
"إِنّا
زَيّنّا السّمَاءَ الدّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ
وَحِفْظاً مّن كُلّ
شَيْطَانٍ مّارِدٍ لاّ يَسّمّعُونَ إِلَىَ الْمَلإِ
الأعْلَىَ وَيُقْذَفُونَ مِن
كُلّ جَانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ إِلاّ مَنْ
خَطِفَ الْخَطْفَةَ
فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ" [الصافات: 6-10]؛ فلفظ
(الدنيا) تأنيث (الأدنى) وهو
من الدنو أو الدناءة، ولذا يدل تعبير (السماء الدنيا) هنا
على الطبقة الأقرب أو
الأسفل من آفاق الأجرام, والمعنى أنه خلال الهروب بسرعة
متزايدة نحو الفضاء الأقرب
المميز بالكواكب يمر العابر بمنطقة الرجم بالشهب.
وتمييز الفضاء الأقرب للأرض
بالكواكب
(Planets)
يتفق تماما مع المعرفة العلمية الحديثة بأنها بالفعل دون
بروج
النجوم
(Stars)
التي تتراكب في آفاق عظيمة الأبعاد تميزها عناقيد أو
تجمعات
(Constellation)
أقربها مجموعات نجومية صغيرة ضمن حشود أكبر تشكل المجرة
(Galaxy)
ثم المجموعة المجرية المحلية تعلوها مجرات أعظم
(Super-cluster)
دون أشباه النجوم
(Quasars)
حيث يعجز البصر عن إدراك أي شيء يعدوها لانحساره بنفس سرعة الضوء الذي
يصدره, ويفصلنا الجو عن تلك الآفاق السبعة كمنطقة بينية
طبقية مثلها، وتتميز عن
بقية السماء بتيارات الرياح ومسارات السحب, والشهب ظاهرة
ضوئية تحدث في جو الأرض
نتيجة الاحتكاك بالهواء فناسبها وصف الشهاب بالثاقب أي
شديد الضوء, وبهذا يحمل
تعبير (السماء الدنيا) على الجو عند الإطلاق، وعلى الأفق
الأدنى من آفاق الأجرام
عند التخصيص بالكواكب.
وفي قوله تعالى: (وَزَيّنّا السّمَاءَ الدّنْيَا
بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً...) [فصلت: 9-12]، وقوله تعالى:
(وَلَقَدْ زَيّنّا
السّمَاءَ
الدّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً
لّلشّيَاطِينِ) [الملك:
5]؛
ورد التشبيه بلفظ (مصابيح) في موضع (الشهب) مؤكدا على أنها
ظاهرة ضوئية, ودل
تعبير (السماء الدنيا) هنا بإطلاق دون
تقييد بالأجرام على حدوث الشهب في الجو
الأدنى تكوينا من
آفاق الأجرام, وفسرت (المصابيح) في الآيتين الكريمتين
بالنجوم,
ولكن في العرف تسمى
الشهب بالنجوم المارقة
(Shooting Stars).
وتأكيد القرآن على
أن ما ترجم به
الشياطين هو الشهب، وهي ظاهرة ضوئية تحدث في الجو يقطع
بنفي وصف
الكون الممكن
الإدراك أجمعه بأنه (السماء الدنيا)، وذلك في قوله تعالى:
"وَلَقَدْ
جَعَلْنَا فِي
السّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيّنّاهَا لِلنّاظِرِينَ.
وَحَفِظْنَاهَا مِن
كُلّ شَيْطَانٍ
رّجِيمٍ إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السّمْعَ فَأَتْبَعَهُ
شِهَابٌ
مّبِينٌ [الحجر
16-18]، وقوله تعالى: "وَأَنّا لَمَسْنَا السّمَاءَ
فَوَجَدْنَاهَا
مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً وَأَنّا كُنّا
نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ
لِلسّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الاَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً
رّصَداً [الجن
8-9].
والقول إذن بأن (السماء الدنيا) تعبير عن الكون كله، وأنها الوحيدة
التي
يمكن للإنسان أن ينظر إليها قول يعوزه الدليل, وما بني
عليه من أن السماوات الست
الباقية غيبية لا ترى يخالف صريح القرآن الكريم في إمكان
النظر إلى كل السماوات
بأدلة لا تدفع، منها قول الله جل وعلا: "قُلِ انظُرُواْ
مَاذَا فِي السّمَاوَاتِ
وَالأرْضِ"[يونس 101] وقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ
فِي مَلَكُوتِ
السّمَاوَاتِ
وَالأرْضِ) [الأعراف: 185] وقوله تعالى: "أَفَلَمْ
يَنظُرُوَاْ إِلَى
السّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيّنّاهَا
وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ"
[ق:
6] قال النحاس: "السماوات مرئية" , وقال الألوسي: "ظواهر
الآيات والأخبار ناطقة
بأن السماء مرئية" , وفي قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ
اللّهُ سَبْعَ
سَمَاوَاتٍ
طِبَاقاً. وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنّ نُوراً وَجَعَلَ
الشّمْسَ
سِرَاجا" [نوح:
15-16]؛ ظاهر التعبير أن أدنى سماوات الكون على حسب
الترتيب في
النظم هي التي تقع
فيها الشمس ويقع القمر, وهو ما يتفق فلكياً مع تسمية أفق
الكواكب
الأدنى في آفاق
الأجرام المرئية بالنظام الشمسي، حيث يتبع القمر الأرض
ويتبع الكل
الشمس, قال ابن
جزي: "القمر.. في السماء الدنيا، وساغ أن يقول فيهن لما
كان في
إحداهن فهو في الجميع، كقولك: فلان في الأندلس إذا كان في
بعضها" , وقال أبو حيان:
"الضمير
في فيهن عائد على السماوات والقمر في السماء الدنيا
(منها)، وصح كون
السموات ظرفاً للقمر لأنه لا يلزم من الظرف أن يملأه
المظروف؛ تقول زيد في المدينة
وهو في جزء منها"
.
ومرد الإشكال إلى الفهم بأن الشهب المعبر عنها في الآيتين
الكريمتين تشبيها بالمصابيح لتوهجها هي النجوم الثوابت،
ولكن المحققون قد دفعوا هذا
الوهم، وقالوا بأن النجوم ثوابت في مواقعها لا ينقص عددها،
وإنما المراد هو الشهب
دونها كما هو ظاهر القرآن, وبذلك يسقط الاستدلال على أن
سماوات الكون التي تميزها
بروج الأجرام هي جميعا السماء الدنيا, قال الألوسي:
"وإطلاق الرجوم على النجوم
وقولهم رمى بالنجم يحتمل أن يكون مبنياً على الظاهر
للرائي، كما في قوله تعالى في
الشمس: "تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ", وهذه الشهب ليست
هي الثوابت، وإلا لظهر
نقصان كثير في أعدادها، بل هي جنس آخر غيرها يحدثها الله
تعالى ويجعلها رجوما
للشياطين, ولا يأباه قوله تعالى: "وَلَقَدْ زَيّنّا
السّمَاءَ الدّنْيَا
بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لّلشّيَاطِينِ"؛ حيث
أفاد أن تلك (المصابيح)
هي (الرجوم)
بأعيانها؛ لأنا نقول كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصباح
لأهل
الأرض.. والشهب من
هذا القسم، وحينئذ يزول الإشكال" , وبمثله قال كثيرون,
فتأمل
الدقة المذهلة في تعبير القرآن الكريم، بينما في العرف
تُسمي الشهب نجوماً، ولا
تميز لغة التخاطب بين النجوم والكواكب, والله تعالى أعلم.
(((())))
سؤال2
الكون بين الاتساع
والانكماش
يقول القرآن إن الساعة قريبة، بينما يؤكد دعاة
الإعجاز العلمي ما
يقوله الفيزيائيون من أن الكون في اتساع دائم، فما تفسير
ذلك؟.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول
الله؛ وبعد:
جوابا على السؤال حول حالة الكون الآن: (هل هو في اتساع مستمر إلى
أن تضم جوانبه فجأة، أم هو في ارتداد قد بلغتنا علاماته,
وهل الجواب في القرآن
والعلم سواء)؛ أقول مستعينا بالعلي القدير سائله -سبحانه
وتعالى- العون
والتوفيق:
أعلن أدوين هبل
Edwin Hubble
في العام 1929 ملاحظة كانت
حجر
الأساس في المفهوم الحديث حول طبيعة الكون وتطوره, فقد
لاحظ أن المجرات العظمى تبدو
في انحسار، وكلما زاد بعدها زاد معدل الانحسار مما يعني أن
مادة الكون في الماضي
البعيد كانت في حيز ضئيل تزايد بالاتساع كما تتباعد المواد
عند الانفجار, ولذا نالت
تسمية "الانفجار العظيم
Big Bang"
قبولا واسعا في تفسير نشأة
الكون وتشكل مكوناته
بالاتساع
Expansion,
ومعدل انحسار المجرات قيمته ثابتة وفقا لبعدها ويسمى (ثابت
هبل) وتقديره حاليا
حوالي: 24 (30-20) كم/ ثانية، ولذا يمكن استنتاج عمر الكون
(عمر
الكون = سرعة
الضوء\ثابت هبل×مليون) وهو حوالي: 12.5 (10-15) بليون سنة,
ولما كانت
فكرة مركزية الأرض
للكون قد دفعتها مشاهدات سابقة فلم يبق إلا قبول مبدأ
التجانس
Uniformity
في تباعد المجرات أو اقترابها بحيث يعاين المراقب من أي
موقع في الكون
نفس ما يعاينه
المراقب على الأرض, ولما كان الكون حادثا وليس أزليا
والتوسع المعاين
يعكس حالة المجرات
العظمى في الماضي البعيد عندما صدر الضوء المحدود السرعة
منها
منذ بلايين السنين
فليس مستبعدا أن يكون بناء الكون آيل للانهيار والزوال
خاصة أن
المجرة الأقرب على
سبيل المثال وهي المجرة المسلسلة
Andromeda
تبدو في اقتراب بسرعة
حوالي 300 كم\ثانية, فإذا كان التجانس مقبولا في ابتعاد
المجرات واقترابها فليس
مستبعدا أن يكون الكون حاليا ينطوي في انكماش بلغتنا
شواهده من الطرف الأقرب، ولم
تصلنا بعد من المجرات الأعظم إلا شواهد الانحسار في الماضي
نتيجة لبعدها الشديد,
والقول إذن بأن
الكون في اتساع مستمر يغفل عن اقتراب أقرب المجرات والسرعة
المحدودة
للضوء القادم من
المجرات الأعظم ذات الأبعاد الهائلة، وهو في جانب وهم
أزلية المادة
والتشكيك في مبدأ
حدوث الكون واستبعاد نهايته.
واكتشاف أدوين هبل بأن الكون يبدو
في توسع مما يحتم
أن تكون له بداية قد أزعج فئة تميل للإلحاد، فحاولوا
التشويش عليه
تهربا من مبدأ
الخلق بفرضيات يجمعها وهم سرمدية الكون تحت مسمى الحالة
الثابتة
ٍSteady
state,
ولو كان الكون ذا بداية أكبر كثافة وأكبر حرارة نتيجة لانضغاط
المادة في حيز ضئيل لأصدر في كل اتجاه أشعة تدل على درجة
الحرارة الهائلة، تلك التي
لا يبلغها اليوم قلب أي نجم مهما بلغت عظمته, ولذا جاءت
الضربة القاصمة لتلك
الفرضيات قبل نهاية القرن الماضي، فتوارت إلى الأبد عندما
اكتشف أرنو بنزياس
Arno Penzias
وروبرت ويلسون
Robert Wilson
تلك الأشعة عام 1964 بغير قصد, وتحتمت البداية
بلا منافس وتزاحمت
الاحتمالات حول كيفيتها, واعترف الفيزيائي هاوكنج قائلا:
"إن
كونا ذا بداية يستحيل مطلقا أن يكون بلا خالق", فوحدة
البداية تقطع بوجود الخالق،
وبالطبع وحدته ناهيك عن التصميم المتقن والنظام الثابت
الذي أقر هاوكنج أنه "عماد
تاريخ العلم التجريبي أجمعه".
ويبحث الفيزيائيون –حالياً- عن أدلة تكشف نهاية
الكون, وأحد
الأساليب لتأييد احتمال الانكماش أو الكون المغلق
Closed universe
اصطلاحا هو تجاوز القيمة
الحرجة للكثافة الوسطية للمادة في الكون وقيمتها: 10-29
جم\سم3؛ أي ما
يعادل حوالي 5 ذرات أيدروجين في المتر المكعب، وهي في حدود
القيمة
المحسوبة حاليا
للمادة المنظورة, وللمقارنة تبلغ قيمة كثافة الماء 1
جم\سم3 أي ما
يعادل حوالي 500
بليون بليون بليون ذرة أيدروجين في المتر المكعب, والمعتقد
حاليا
وجود مادة غير
منظورة بكميات هائلة تسمى المادة السوداء
Black matter
ترجح انكماش
الكون.
وكلما انكمش الكون تزايدت كثافته، ومع تلاشي المسافات تصبح لا
نهائية, ولكن تلاشي المسافة يعني انعدام المادة بحيث
تتلاشي الكثافة, وهذا يعني
توقف القوانين وبلوغ حالة يستوي فيها العدم والوجود في
لحظة الفناء العظيم، وهي
تماثل تماما لحظة الخلق العظيم حيث وجدت مادة الكون فجأة
من عدم, تلك اللحظة
المبهرة تسمى –فيزيائياً- لحظة التفرد
Singularity
لتوحد كافة تنوعات المادة
في
بنية أساسية واحدة, واللحظة التي يحتمل إعمال قوانين
الفيزياء عندها أو قبلها تسمى
الكثافة عندها كثافة بلانك
Planck density
وتبلغ 10 93 جم\سم3 أو ما يماثل 100
بليون مجرة مكدسة في حيز ضئيل لا يتجاوز مداه 10-35 متر
(مسافة بلانك) عندما كان
عمر الكون 10-43 ثانية (زمن بلانك), ولك أن تقول إنه كان
عدما عند اللحظة صفر فلا
تعمل قوانين الفيزياء إلا مع توفر المادة بعد أجزاء ضئيلة
للغاية من أول ثانية,
فصفحة الكون ليست
أبدية، وإنما ضمن منظومة طوي بعضها الزمن والبعض لم يظهر
بعد
للوجود، وإنما
الكون ينحني على نفسه وينطوي في امتداد مستمر نحو نهايته
إن شئت
التعبير
بالاستمرار, والتعبير الأدق أن يقال: إنه كان حين البناء
في اتساع كما
ترتفع طوابق البيت
حين البناء، وعندما تحين ساعته يُعكس الاتجاه ليعود لأصل
حالته,
والقول إذن بأن
الكون في اتساع مستمر يغفل عن قوانين تطوره، ويماثل القول
بالخلق
الفجائي للكائنات
بلا أطوار.
وقد بلغ التمثيل في القرآن الكريم لحقائق الكون
الخفية زمن التنزيل
الغاية في الدقة والوفرة والاستيعاب بما لا يعارض حقيقة
مكتشفة
والقمة في التلطف
بما لا يلفت عن غرض, فوصف الكون بالبناء، وجاء بتعبير
السماء
الدال على العلو
بالنسبة للمتطلع من الأرض في مرونة يحدد مداه السياق, وجعل
بروج
النجوم لبنات
والوجود آفاق بتعبير السماوات, ووظف دلالات لفظ السماء
لتشمل طيفا
واسعا من الكيانات
التي تمتد فوق سطح الأرض ولذا طالها فرع شجرة في قوله
تعالى:
"أَلَمْ
تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً
كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ
أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السّمَاءِ" [إبراهيم:
24]، وبعيدا عن تصورات
الكيفية قبل استقرار الحقائق فإن القرآن حاسم في جعل
تنوعات التجمعات النجمية باسم
البروج فوق عالم الكواكب الأدنى، حيث تسبح الشمس والقمر في
محيط الوجود حولنا في
قوله تعالى: "وَالسّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ" [البروج: 1],
وقرائن السياق قد تدل على
الإطلاق فتمد دلالة لفظ السماء لتستوعب الكون الفيزيائي
Physical universe
أجمعه.
ولا يفوتك أن التعبير عن التوسع حين البناء برفع السماء تمثيلا جاء
فيه
فعل (الرفع) بصيغة الماضي بلا استثناء مما يقصر الاتساع
على وقت البناء، ويعارض
القول باستمراره إلى الآن, يقول تعالى: "أَفَلاَ
يَنظُرُونَ إِلَى الإِبلِ كَيْفَ
خُلِقَتْ. وَإِلَى السّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ" [الغاشية
17و18]، ويقول تعالى:
"وَالسّمَاءَ
رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ" [الرحمن: 7]، ويقول
تعالى: "اللّهُ
الّذِي رَفَعَ السّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا"
[الرعد:2]،
وجاء التعبير
عن الرفع بلفظ
الخلق بيانا لتكامل البناء في قوله تعالى: "خَلَقَ
السّمَاوَاتِ
بِغَيْرِ عَمَدٍ
تَرَوْنَهَا" [لقمان: 10]، إنه عمل كامل يمكن معاينته
اليوم، ولذا
ورد بيان خلقه بفعل (البناء) بالماضي كذلك بلا استثناء,
يقول تعالى: "أَأَنتُمْ
أَشَدّ خَلْقاً أَمِ السّمَاءُ بَنَاهَا. رَفَعَ سَمْكَهَا
فَسَوّاهَا" [النازعات:
27و28]، ويقول تعالى:
"أَفَلَمْ يَنظُرُوَاْ إِلَى السّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ
بَنَيْنَاهَا" [ق: 6]، ويقول تعالى: "وَالسّمَاءِ وَمَا
بَنَاهَا" [الشمس: 5]، وفي
قوله تعالى: "وَالسّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنّا
لَمُوسِعُونَ" [الذاريات:
47]؛ فعل (البناء) بالماضي
يفيد التكامل، ويرجح أن (مُوسِعُونَ) أي قادرون على
إعادته كقوله تعالى: "عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُه" [البقرة:
236]، أي القادر خاصة أنه
غير (مُوَسِّعُون) أي نوسعها دوما.
فهل الكون في القرآن في ارتداد؟؛ هذا هو صريح
الآيات، فالموعد
قريب والكون كله كمثقلة على وشك الوضع، والأمر قد أتى ولم
يصل بعد
تأكيدا لتقدير
سرعته، ولا دليل على أن سرعة الانتقال عند نهاية الكون
ستصبح لحظية
فجأة وتخرق قانونا
يشهد بوحدة التقدير, وإذا كنا نشاهد الأطراف البعيدة في
انحسار
فذلك حالها يوم أن
انطلق في الماضي السحيق الضوء المرصود الآن، أما حالها
آنيا فلا
يعلم به أحد سوى
الله تعالى وحده, أليس الضوء مقدر السرعة؟ فكيف نقرأ إذن
رسالة
سُطِّرَت منذ
بلايين السنين عند تشييد الطوابق قبل اكتمال ارتفاع هيكل
البناء
وكأنها كُتِبَت
الآن؟, وإن شئت أن تنال ما تستحقه الحقيقة من فزع فاسأل
الجيران من
المجرات في أقرب
الآفاق تخبرك أقربهن على بعد 2 مليون سنة ضوئية أنها تقترب
مسرعة،
ولا نعلم شيئا عنها
الآن, ولم يقل القرآن إن الكون في اتساع مستمر, وقوله
تعالى:
"وَالسّمَاءَ
بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنّا لَمُوسِعُونَ" [الذاريات:
47]؛ لا يعني
دوام التوسع بعد تكامل البناء، وإلا ما كانت للنهاية ساعة,
وفي اللغة اسم الفاعل
"مُوَسِّعُون"
(بضم الميم وفتح الواو وتشديد وكسر السين) يعني دوام
التوسعة، ولكن
الذي في الآية "مُوسِعُون" (بضم الميم وتسكين الواو وكسر
السين) ويعني دوام القدرة,
والقدرة في مقام الخلق تعني إعادته.
وأصل اللفظ (مُوسِعُون) أي لذو سعة تمثيلا
للقدرة والاستطاعة
بالامتداد في المكان وتكشف قرائن السياق ماهية السعة,
فتشمل
أحوالا كسعة المكان
وسعة الرزق وسعة الثراء وسعة القوة والقدرة والاستطاعة،
وفي
مقام خلق الكون
تعني القوة والقدرة والاستطاعة على إعادته وتتضمن الدلالة
على بالغ
سعة امتداده وعظمته
إيغالا في بيان الاقتدار فتعني ضمنا التوسعة الهائلة حين
البناء, قال ابن
جزي: "وسع يسع سعة من الاتساع ضد الضيق، والسعة الغنى،
والواسع اسم
الله تعالى، أي واسع العلم والقدرة والغنى والرحمة", وقال
البغوي: "(وإنا لموسعون)
قال ابن عباس -رضي
الله تعالى عنهما- لقادرون", وقال الزمخشري: " (وإنا
لموسعون)
لقادرون من الوسع
وهو الطاقة", وقال ابن حجر: "قوله لموسعون أي لذو سعة،
وكذلك (على
الموسع قدره) يعني في قوله تعالى (ومتعوهن على الموسع
قدره) أي من يكون ذا سعة..
يعني القوي وروى
ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح قال (وإنا لموسعون) قال
أن نخلق
سماء مثلها", وقال
السمعاني: "قال مجاهد معناه يسع قدرتنا أن تخلق سماء مثلها",
وقال الرازي: "وبناء السماء دليل على القدرة على خلق
الأجسام ثانيا كما قال تعالى:
(أَوَلَـيْسَ الَذِي
خَلَقَ السّمَاواتِ وَالأرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىَ أَن
يَخْلُقَ
مِثْلَهُم بَلَىَ
وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ) [يس: 81].

والقرآن الكريم يؤكد على قرب ساعة الميعاد؛ يقول تعالى:
"أَزِفَتْ
الْآزِفَةُ" [النجم: 57], ويقول تعالى: "اقْتَرَبَ
لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ
وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ"
[الأنبياء: 1], ويقول تعالى: "فَهَلْ يَنْظُرُونَ
إِلَّا السَّاعَةَ
أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا"
[محمد:
18], "يَسْأَلُونَكَ
عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنّمَا عِلْمُهَا
عِنْدَ رَبّي لاَ
يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي
السّمَاوَاتِ
وَالأرْضِ لاَ
تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنّكَ حَفِيّ
عَنْهَا
قُلْ إِنّمَا
عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ
يَعْلَمُونَ"
[الأعراف:
187]، وفي كل هذا كما قال ابن كثير وغيره (رحمهم الله
جميعا): "يخبر
تعالى عن اقتراب الساعة وفراغ الدنيا وانقضائها، كما قال
تعالى: "أَتَى أَمْرُ
اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ" [النحل: 1]", فكيف يُستبعد
إذن أن يكون الكون في
ارتداد والقوى تمضي مسرعة لا تحتاج مزيد استعجال ليكتمل طي
كل الصفحات!, كما قال
تعالى: "يَوْمَ نَطْوِي السّمَاءَ كَطَيّ السّجِلّ
لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَآ
أَوّلَ خَلْقٍ نّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنّا كُنّا
فَاعِلِينَ" [الأنبياء:
104]،
والسجل مسطح يُطوى يحوي كل الصفحات، ولا يظهر منه سوى طرفه
القريب، وهو أدق
وصف للكون المترابط البناء المنحني
المحجوب, وأما بدء الخلق فحقيقة ساطعة قضت إلى
الأبد على فرضية
الكون الأزلي باسم الحالة الثابتة، وزيفت مستنداً مزعوماً
فطواه
الزمن, وتصريح
القرآن بالتوسع الكوني -قبل أن يدركه بشر بقرون- دليل حاسم
على
التنزيل.
((()))
سؤال
2
هل خلقت الأرض جملة واحدة أم
مرت بمراحل؟
كيف نرد بأن الأرض مرت بمراحل حتى تكونت الجبال
والهضاب خلال ما
يسمى بالعصور الجيولوجية، والله سبحانه يقول في الآية
الكريمة:
"ولقد
خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام"، أرجو
التفصيل في ذلك، وقد
أثبت العلم أن الأرض مرت بمراحل.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول
الله؛ وبعد:
فأقول مستعيناً بالقادر وحده على كل شيء، سائله تعالى العون
والتوفيق:
في سبعة مواضع يقرر القرآن أن خلق العالم قد تم في عملية واحدة ذات
أطوار كما لو كان بناءً واحداً تتابع تشييد خطة تصميمه
المقدرة منذ البدء "فِي
سِتّةِ أَيّامٍ" [الأعراف: 54، يونس: 3، هود:7،
الفرقان:59، السجدة:4، ق:38،
الحديد:4]، والأيام ذوات العدد في مقام بناء الكون هي أقرب
الأمثلة لبيان سبق
التقدير والقصد منذ البدء لا الصدفة العمياء، خاصة أن
التمثيل هو الأسلوب الأمثل في
تعبير القرآن لكشف الحقائق الخفية بضرب المثل بالنظير
المألوف, فيستقيم إذن أن تكون
الستة أيام تمثيلاً، خاصة أن الزمن ناتج عن حركة أجرام،
وعند التكوين لم توجد أجرام
بعد, والكون بهذا ليس أبدي الوجود، وإنما تشكل في فترات
مقدرة بلا توقف أو تردد كما
لو كانت ستة أيام متلاحقة, وكالإنسان قدرت أيام حمله كذلك
قدرت أحوال الأرض في
يومين من الستة قبل الولادة, ومن بدء الحمل إلى البلوغ
أربعة أيام, وهو نفس التمثيل
في قوله تعالى: "قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي
خَلَقَ الأَرْضَ فِي
يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ
الْعَالَمِينَ. وَجَعَلَ
فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا
وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا
فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ" [فصلت: 9 –10], وبهذا خُلق
العالم في ثلاث مراحل رئيسة
متساوية:
في الأولى تكونت اللبنات العظام، وفي الثانية النشأة الحقيقية للأرض
وبقية الأجرام أقرانها خلال نشأة المجرة ذاتها، وفي
الثالثة نشأت القشرة والجو،
وعمرت الأرض بالحياة, فإذا كانت النشأة الحقيقية حركياً
للأرض ترجع إلى حوالي 8.4
بليون سنة قبل أن تعمر بالنبات الذي بدأ يطلق أكسجين الجو
منذ حوالي 0.25 بليون سنة
علامة على تكامل البناء؛ وإذا كان تشكيل الأرض في أربعة
أيام تمثيلاً يكون الكون في
ستة أيام، فيكون عمره الفعلي بنفس القيمة المعروفة الآن؛
حوالي 12.5 (10-15) بليون
سنة. [الكون لستيفن هاوكنج (ص55)، والانفجار الكبير لسيلك
(ص75)].

قال الرازي: "في ستة أيام إشارة إلى ستة أطوار.., (و) المراد
من الأيام لا يمكن أن يكون هو المفهوم في وضع اللغة؛ لأن
اليوم عبارة عن زمان مكث
الشمس فوق الأرض من الطلوع إلى الغروب, وقبل السماوات لم
يكن شمس ولا قمر, لكن
اليوم يطلق ويراد به الوقت.., وقال بعض المفسرين المراد من
الآية الرد على اليهود؛
حيث قالوا بدأ الله –تعالى- خلق العالم يوم الأحد، وفرغ
منه في ستة أيام آخرها يوم
الجمعة، واستراح يوم السبت.., فقال تعالى (وما مسنا من
لغوب) رداً عليهم.. أي ما
تعبنا.
وأما ما قاله اليهود ونقلوه من التوراة فهو إما تحريف منهم أو لم
يعلموا
تأويله، وذلك لأن الأحد والاثنين أزمنة متميز بعضها عن بعض، فلو كان
خلق السماوات
ابتدئ يوم الأحد لكان الزمان متحققا
قبل الأجسام، والزمان لا ينفك عن الأجسام"
[
التفسير الكبير للرازي
(ج28ص158)].
وأما روايات إنزال الأيام الستة على أيام
الأسبوع فقد جاء
فيها خلق النور بعد خلق الشجر، ولكن لا يستقيم شجر بغير
نور,
وأرجعها ابن كثير
للإسرائيليات، ونقل نقد الحفاظ لمتنها وسندها، بقوله:
"فأما
الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده... عن أبي هريرة
–رضي الله عنه- قال: أخذ
رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بيدي، فقال: "خلق الله
التربة يوم السبت، وخلق
الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق
المكروه يوم الثلاثاء،
وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس،
وخلق آدم بعد العصر يوم
الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين
العصر إلى الليل" فقد رواه
مسلم بن الحجاج... والنسائي... عن حجاج وهو ابن محمد
الأعور عن ابن جريج... وفيه
استيعاب الأيام السبعة، والله تعالى قد قال: (في ستة
أيام)، ولهذا تكلم البخاري
وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث، وجعلوه من رواية أبي
هريرة عن كعب الأحبار ليس
مرفوعا [تفسير ابن كثير (ج2ص221)].
وقد أصابوا بهذا -رحمهم الله تعالى- خاصة مع
الانتقاد اللاذع
الذي وجهه المحققون المنصفون في عصرنا لرواية التوراة التي
تقول
بالمثل بنشأة
النبات قبل نور الشمس: "وقال الله لتنبت الأرض عشباً
وبقلاً يبزر
بزراً وشجراً ذا
ثمر.. وكان مساء وكان صباح يوما ثالثا, وقال الله لتكن
أنواراً...
فعمل الله النورين
العظيمين؛ النور الأكبر لحكم النهار والنور الأصغر لحكم
الليل...
وكان مساء وكان
صباح يوما رابعا" [سفر التكوين (11-19
(OnlineBible)].
وقال
الشوكاني: "المراد بالأيام الأوقات أي
في ستة أوقات... ولا يستقيم أن يكون المراد
بالأيام هنا الأيام
المعروفة وهي المقابلة لليالي؛ لأنه لم يكن حينئذ لا أرض
ولا
سماء" [تفسير فتح
القدير للشوكاني (ج2ص482)].
وقال أبو السعود: "السماوات في
يومين، والأرض في
يومين، وما عليها من أنواع الحيوانات والنبات وغير ذلك في
يومين،
والمراد بالأيام
الأوقات... فإن اليوم في المتعارف زمان كون الشمس فوق
الأرض، ولا
يتصور ذلك حين لا
أرض ولا سماء" [تفسير أبي السعود (ج4ص187)].
وقال السمعاني:
"قوله: (في أربعة أيام) أي
في تمام أربعة أيام مع اليومين الأولين، وهذا كالرجل
يقول: ذهبت من
البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وذهبت من بغداد إلى الكوفة
في خمسة
عشر يوماً، أي في
تمام خمسة عشر يوما... هذا كلام العرب، ومن طعن فيه لم
يعرف كلام
العرب [تفسير
السمعاني (ج5ص42)].
وقد أورد الأعلام أن السماء التي تشكلت إلى
طبقات بعد تشكيل
الأرض ليست كل ما يعلوها من الكون، وإنما دخان خرج منها
عند تكونها
فشكل الجو؛ يعني في
آخر يومين من الأربعة, وهو ما يوافق الرؤية العلمية
الحديثة
أنها كانت في غاية
الالتهاب، وما زال باطنها يمور في دوامات هائلة تحمينا
منها طبقة
رقيقة.
نقل الماوردي [تفسير الماوردي (ج1ص92)]. أنه: "الدخان الذي جعله الله
للأرض سماء", وكأنهم رحمهم الله تعالى قد فسروا قوله
تعالى: )ثُمّ اسْتَوَىَ إِلَى
السّمَآءِ فَسَوّاهُنّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ( [البقرة: 29],
بقوله تعالى: )ثُمّ
اسْتَوَىَ إِلَى السّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا
وَلِلأرْضِ ائْتِيَا
طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَآئِعِينَ.
فَقَضَاهُنّ سَبْعَ
سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ..( [فصلت:11و12], وكليهما بعد
اكتمال خلق الأرض, وهناك
ومضة مبهرة لاحظها الأجلاء لا تفوت الغواص في أعماق
السياقات يجمع اللآلئ فيدرك
قرائن التمييز, وهي تحفظ للأداة (ثم) أصل دلالتها على
ترتيب الأحداث وتزيل الإشكال
حول أسبقية التكوين؛ الأرض أم السماء؟ بالتمييز بين السماء
التي تسبق الأرض في
النَّظم والتكوين والتي تلحق بها.
قال ابن عاشور:
"والسماء إن أريد بها الجو
المحيط بالكرة الأرضية فهو تابع لها متأخر عن خلقها, وإن
أريد بها (محل الأجرام
السماوية فهي)... أعظم من الأرض فتكون أسبق خلقا.وإذا كان
الكون قد اكتمل منذ 0.25
بليون سنة وتطاول الزمان حتى أصبحت سنة التقويم 365.24219
يوما أي 12.368 بالشهور
الحالية؛ تكون السنة عند الاكتمال 12 شهراً في مدة 8.4
بليون سنة، مما يمنح فهما
أعمق لقوله تعالى: "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ
اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً
فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ
وَالأَرْضَ" [التوبة: 36], فاستدار
الزمان تشريعاً كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض حقيقة، كما قال
النبي –صلى
الله عليه وسلم- تماماً في حجة الوداع,
ونظير الستة أيام تمثيلاً يتأكد أن عمر
الكون بنفس القيمة
المعروفة الآن؛ حوالي 12.5 (10-15) بليون سنة.

وهكذا يجد المتأمل أن موضوع التكوين في القرآن قد نال عناية
فائقة لتعلقه بمبدأ الخلق وتوحيد الخالق, وبلغت آيات
التكوين حوالي ضعف عدد الآيات
الصريحة في التشريع، وبدراستها دلالياً تتجلى حقائق لم
يدركها أحد زمن التنزيل, ولو
تأملت نصوص القرآن المتعلقة بخلق العالم فستجد الأحداث
مرتبة بنفس الترتيب الذي
كشفه العلم بعد نزوله بأكثر من عشرة قرون. وما أجمله موضع
فصله آخر مما يدفع أي
احتمال أن يكون القرآن صنعة بشرية, قال تعالى: "أَأَنتُمْ
أَشَدّ خَلْقاً أَمِ
السّمَآءُ بَنَاهَا. رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوّاهَا.
وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ
ضُحَاهَا. وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا. أَخْرَجَ
مِنْهَا مَاءَهَا
وَمَرْعَاهَا. وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا. مَتَاعاً لّكُمْ
وَلأنْعَامِكُمْ"
[النازعات
27-33].
ونظير خروج الماء والمواد الأخف التي أدت في النهاية إلى
تكوين الجو والتربة ونشأة المراعي الخضراء العامرة
بالأحياء نزل الحديد ذو المنافع
العديدة والخصائص الفريدة نحو لب الأرض، وبحركته الداخلية
تولدت الأغلفة
المغناطيسية فحمت الأحياء بلا دراية منها من خطر الرياح
الشمسية القاتلة, ويجمل كل
ذلك قوله تعالى: "وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ
شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ
لِلنّاسِ" [الحديد: 25].
ولو كان هذا القرآن صنعة بشرية ما أصاب في كل ما أخبر
رغم الفيض الكبير من الحقائق في مجالات علمية متنوعة, يقول
العلي القدير: "أَوَلَمْ
يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا
خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ
وَأَنْ عَسَىَ أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ
فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ
يُؤْمِنُونَ" [الأعراف: 185].
((()))
سؤال3
هل أيام خلق السماوات والأرض
مثل أيام الدنيا؟
خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام، هل هي من
أيام الدنيا أم من
الأيام المقصودة في قوله تعالى: "وإن يوماً عند ربك كألف
سنة مما
تعدون".
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله,
وبعد:
جوابا على السؤال (خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام هل هي من
أيام
الدنيا أم من الأيام المقصودة في قوله تعالى: "وإن يوما
عند ربك كألف سنة مما
تعدون"؛ أقول مستعينا بالله العلي العظيم:
تشير الأبحاث العلمية إلى أن تاريخ
الكون ضارب في
القدم, وأقرب الحسابات هي أن عمره حوالي 12.5 (10-15)
بليون سنة, وأن
آخر معالم التكوين
هي تشكل القشرة الصخرية للأرض واستقرار الجو المحيط بها
منذ
حوالي 250 مليون
سنة, وهكذا تشكل العالم بخلاف ما اعتقد سابقا في بلايين من
السنين
تكونت فيها لبنات
البناء المتسع الأرجاء بالتسلسل إلى أن تشكل أصل كوكبنا مع
بقية
أفراد المجرة وهو
ما يعرف بسديم النظام الشمسي
Solar System Nebula
منذ ما يزيد عن
ثمانية بليون سنة,
وبعد ذلك انفصلت كتلة الأرض وتميزت وتقلصت تحت تأثير
جاذبية
مادتها وتشكلت
طبقاتها الداخلية جميعا بنزول أثقل المواد نحو الباطن خاصة
الحديد
وخروج أخفها ليشكل
السطح الصخري والجو منذ ما يزيد عن أربعة بليون سنة تمثل
عمرها
الجيولوجي, وبذلك
يمكن تقسيم مراحل نشأة العالم المحيط بنا إلى ثلاثة أزمنة
رئيسية
متعاقبة تكونت فيها
الأجرام السماوية ثم تكون أصل الأرض ثم تكونت طبقات الجو
من
دخان تبدد معظمه
وتكونت معها أصول الألواح القارية كجزر تمتد وتميد فوق
دوامات
الصهير إلى أن
ثبتتها الجبال, ونصيب الأرض على هذا باعتبار الأصل مرحلتين
من
الثلاث, فإذا كان
خلق العالم كله في ستة أيام - إن شئت أن تعبر بأيام
الأسبوع
المعهودة عن تلك
الأزمنة الهائلة فوق كل التصورات القديمة - فإن خلق الأرض
بدون
السطح الصخري والجو
في يومين ومجموع فترات خلقها أربعة أيام, وتعجب أن تجد تلك
الحصيلة العلمية
التي اكتشفت وحققت في حوالي ثلاثة قرون تكاد تلمس فحسب بعض
جوانب
من التفصيل المعجز
في قوله تعالى: ]قُلْ أَإِنّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالّذِي
خَلَقَ
الأرْضَ فِي
يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبّ
الْعَالَمِينَ.
وَجَعَلَ فِيهَا
رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدّرَ فِيهَآ
أَقْوَاتَهَا فِيَ
أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَوَآءً لّلسّآئِلِينَ. ثُمّ اسْتَوَىَ
إِلَى
السّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ
ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً
قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ. فَقَضَاهُنّ سَبْعَ
سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ
وَأَوْحَىَ فِي كُلّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيّنّا
السّمَآءَ الدّنْيَا بِمَصَابِيحَ
وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ[ [فصلت
9-12].
فأما السماء
التي تلي الأرض في الخلق والنظم فيرشدك
إلى تعيينها علميا في هذا المقام قول الشيخ
محمد الطاهر ابن
عاشور (يرحمهم الله أجمعين): "والسماء إن أريد بها الجو
المحيط
بالكرة الأرضية فهو تابع لها متأخر عن خلقها, وإن أريد بها
(آفاق الأجرام السماوية
فهي).. أعظم من الأرض فتكون أسبق خلقا" [تفسير التحرير
والتنوير ج1ص384].
والجو
بالنسبة للأرض يصح لغةً أن يسمى سماء,
وبالنسبة إلى كل ما يعلوه من وجود مادي يصح
وصفه بأنه الأدنى,
ونتيجة لتميزه عما نسميه فضاء
Space
بوجود الهواء يمكن وصفه
أيضا
بأنه منطقة بينية بين الأرض وكل ما يعلوه, وأما التشبيه
بالمصابيح بجامع التوهج
فنظيره قوله تعالى: ]وَلَقَدْ زَيّنّا السّمَآءَ الدّنْيَا
بِمَصَابِيحَ
وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لّلشّيَاطِينِ[ [الملك: 5].
وقد توصل المحققون أن تلك
الأجسام الملتهبة
التي شبهت في القرآن بالمصابيح ويمكن أن تسبب ضررا
للعابرين ليست
إلا الشهب وهي
بالقطع ظاهرة ضوئية لا تتجاوز جو الأرض, قال الشوكاني:
"المصابيح جمع
مصباح وهو السراج..
(و) الضمير في قوله وجعلناها راجع إلى المصابيح.. أي شبها
(بدليل قاطع وهو
قوله تعالى:).. )إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب(
[الصافات:
10]" [تفسير
الشوكاني ج5ص260].
وقال الألوسي: و"الشهب شعل نارية" [تفسير الألوسي
ج23ص73].
و"هذه الشهب ليست هي الثوابت.. وإلا لظهر نقصان كثير في أعدادها..
(خاصة أن التعبير
قد) أفاد أن تلك المصابيح هي الرجوم بأعيانها.. (و) كل نير
يحصل
في الجو العالي فهو
مصباح لأهل الأرض" [تفسير الألوسي ج14ص26].
وقال الثعالبي:
"ومعنى السماء الدنيا أي
القريبة من الناس" [تفسير الثعالبي ج4ص320].
وهكذا يمكن
حمل تعبير (السماء الدنيا) على الجو
المحيط بالأرض, وعند التخصيص بالكواكب دون
عوالم النجوم
العظيمة الأبعاد يمكن حمله على العالم الأقرب من عوالم
الأجرام في
قوله تعالى: )رّبّ
السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبّ
الْمَشَارِقِ.
إِنّا زَيّنّا
السّمَآءَ الدّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ( [الصافات:
5-6].
وأما التسبيع فهو دلالة على الطبقية؛ وتلك حقيقة علمية توافق ما ذهب
إليه بعض
المفسرين من أن التسبيع ها هنا على العرف في الدلالة على التعدد
والتكامل لا على
التعيين, ولكن العدد لا يأباه العلم
باعتبار ثلاث طبقات بينية بين الأربعة الرئيسة
وهو الموافق إلى ما
ذهب إليه جل المفسرين, وأما الستة أيام في بيان خلق الكون
المشاهد أو بالأحرى
الممكن المشاهدة فقد ورد ذكرها في سبعة مواضع أولها على
حسب
ترتيب النزول قول
جامع يكشف العلم بخفايا التكوين ويعالج توهم في الدين ما
عاد
بالإمكان حذفه من
المدونات الأسبق؛ وهو قول العلي القدير: ]وَلَقَدْ
خَلَقْنَا
السّمَاوَاتِ
وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتّةِ أَيّامٍ وَمَا
مَسّنَا مِن
لّغُوبٍ[ [ق: 38].
وهو بالمثل قائم على التقريب والتمثيل بالمعهود لأنه لا وجود
للأيام قبل خلق الأرض والشمس, قال القرطبي: "إن لم يكن شمس
فلا يوم" [ تفسير
القرطبي ج7ص219].
وقال ابن عطية: "قال أكثر أهل التفسير الأيام هي من أيام
الدنيا" [تفسير المحرر الوجيز ج3ص152.].
وقال الشوكاني: "ولا يستقيم أن يكون
المراد بالأيام هنا
الأيام المعروفة.. لأنه لم يكن حينئذ لا أرض ولا سماء"
[تفسير
الشوكاني ج2ص482.].
وقال الألوسي: "المفسرون قالوا المراد بالأيام الأوقات" [ما
دل عليه القرآن ج1ص46].
فالتعبير إذن تمثيل والمراد أزمنة متتابعة كالأيام
تميزها ثلاث مراحل, وأما إتيان الأرض وما يحيط بها فهو
مشهد يكشف تلازم حركة الجو
مع الكوكب وفق تقدير بعد مرحلة معدومة التلازم مما يعني
تبدد الكثير من الجو, وتلك
حقيقة علمية مبهرة جسدها التعبير بالتصوير, وترتيب الأحداث
مطابق تماما لما كشفه
العلم؛ كما في قوله تعالى: ]ءأَنتُمْ أَشَدّ خَلْقاً أَمِ
السّمَآءُ بَنَاهَا.
رَفَعَ سَمْكَهَا
فَسَوّاهَا. وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا.
وَالأرْضَ
بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا. أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا
وَمَرْعَاهَا. وَالْجِبَالَ
أَرْسَاهَا. مَتَاعاً لّكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ[
[النازعات:27-33].
وهكذا يتجلى كل
حين العلم في
القرآن الكريم بخفايا التكوين بضرب الأمثال للمجهول زمن
التنزيل
بالمعلوم لتشع
دلائل التنزيل بنور اليقين في
صدور النابهين, يقول العلي القدير:
]لَوْ أَنزَلْنَا
هَـَذَا الْقُرْآنَ عَلَىَ جَبَلٍ لّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً
مّتَصَدّعاً مّنْ
خَشْيَةِ اللّهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ
لَعَلّهُمْ
يَتَفَكّرُونَ[ [الحشر: 21]. هذا والله جل جلاله أعلم.
((()))
سؤال4
الحكمة في جعل السماوات
والأراضين سبعًا
السلام عليكم ورحمة الله. وبعد:
ما حكمة الله
–تعالى- أو الإعجاز العلمي في العدد سبعة
سماوات . سبعة أراضين. إلخ.. وجزاكم الله
عنا خير الجزاء؟.
الجواب
حكمـة بالغـة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول
الله.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
إجابةً على السؤال: ما حكمة الله
تعالى أو الإعجاز
العلمي في العدد سبعة مثل سبع سماوات؟ أقول مستعينًا بالله
العلي
القدير العزيز
الحكيم, سائله تعالى التوفيق والرشاد:
إن ثمرة الوجود هي الإنسان
المُهَيَّأ للتطلع
حوله ليُعاين في كل شيء دلالة تدله على مضمون مستور, وإذا
نزع
الإنسان حُجُب
الإلف والغفلة فسيرى كل شيء مُظهرًا لوحدانية الله
وتجسيدًا لصفات
الكمال والجلال
والتنزيه فيقشعر بدنه ويحنو وجدانه ويستقر جنانه ويخبت في
ابتهال
ساجدًا لله في
يقين, فالجمادات لن تبدو بعين البصيرة كذلك وإنما حشود
تُسَبِّح
كُلٌّ يميزه إيقاع,
وتلك الرؤية الوجدانية ليست وهمية؛ لأن كل شيء تتحرك
لبناته
بجِدٍّ وعَجَلٍ وفق
تقدير يدفع الصدفة ويَئِن حقيقةً مترنمًا بجلال الله كأنما
خُلِقَ من عَجَل,
هكذا يرى البصير في كل شيء آية تشهد لله بالوحدانية
والاقتدار
والعظمة, والعجيب
أن وحدة الإنشاد تلك هي آخر صيحة في الفيزياء تصف الكون
كوتر واحد
يُصدر كافة النغمات
في إيقاعات منتظمة بلا نشاز.
وإن شئت فأنصت لإنشاد تردده
جنبات الكون
ومناجاة تشدو لتستحث الغافلين في روائع يفيض بها القرآن
تأخذ بالوجدان
وتهز الكيان؛ يقول
تعالى: (سَبّحَ للّهِ مَا فِي السّمَوَاتِ وَالأرْضِ
وَهُوَ
الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ)[الحديد:1].
ويقول تعالى: (يُسَبّحُ لِلّهِ مَا فِي
السّمَوَاتِ وَمَا
فِي الأرْضِ الْمَلِكِ الْقُدّوسِ الْعَزِيزِ
الْحَكِيمِ)[الجمعة:1].
ويقول تعالى: (يُسَبّحُ لِلّهِ مَا فِي السّمَوَاتِ
وَمَا فِي الأرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ
عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ)[التغابن:1].
ولا يسعك عند تبصر حقيقة كل شيء إلا أن تشارك الحشود في
التسبيح على بصيرة في هيبةٍ وإجلال.
والمدهش أن يُنزِل القرآن كل شيء في الوجود
منزلة العقلاء
المسبحين مما حيَّر أعلام المفسرين, قال الطبري: (يعني
تعالى ذكره..
أن كلّ ما دونه من
خلقه يسبحه تعظيمًا له، وإقرارًا بربوبيته، وإذعانًا
لطاعته، كما
قال جلّ ثناؤه:
(تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ والأرْضُ وَمَنْ
فِيهِنَّ
وَإنْ مِنْ شَيْءٍ
إلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقُهُونَ
تَسْبِيحَهُمْ
إِنّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) [الإسراء:44] (تفسير
الطبري
ج27/ص215).
وقال ابن الجوزي: (فأما تسبيح الحيوان الناطق فمعلوم, وتسبيح الحيوان
غير الناطق فجائز أن يكون بصوته وجائز أن يكون بدلالته على
صانعه, وفي تسبيح
الجمادات ثلاثة أقوال؛ أحدها أنه تسبيح لا يعلمه إلا الله,
والثاني أنه خضوعه
وخشوعه لله, والثالث أنه دلالته على صانعه فيوجب ذلك تسبيح
مُبصره, فإن قلنا إنه
تسبيح حقيقةً كان قوله: (وَلَكِنْ لا تَفْقُهُونَ
تَسْبِيحَهُمْ). لجميع الخلق, وإن
قلنا إنه دلالته على صانعه كان الخطاب للكفار لأنهم لا
يستدلون) (تفسير زاد المسير
-
ابن الجوزي ج5/ص40).
وكما ينطق الوجود بجلال الله كذلك يفيض القرآن بدلائل
قدرته ووحدانيته, يقول تعالى:
(لَوْ أَنزَلْنَا هَـَذَا الْقُرْآنَ عَلَىَ
جَبَلٍ
لّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مّتَصَدّعًا مّنْ خَشْيَةِ اللّهِ
وَتِلْكَ
الأمْثَالُ
نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ)[الحشر:21].
وهنا
أنزل الجماد كذلك منزلة العقلاء
الخاشعين هيبةً أمام عظمة الله وجعله مثلًا ليتفطن
مغزاه المتأملون,
وبهذا بلغ التمثيل في القرآن غاية الإحكام والبيان لينبه
الغافلين
ويستحث النابهين,
قال ابن كثير: (فإذا كان الجبل في غلظته وقساوته لو فهم
هذا
القرآن فتدبر ما
فيه لخشع وتصدع من خوف الله
U
فكيف يليق بكم يا أيها البشر أن لا
تلين قلوبكم وتخشع
وتتصدع من خشية الله وقد فهمتم عن الله أمره وتدبرتم كتابه)
(تفسير ابن كثير
ج4/ص344).
قال النسفي: (جائز أن يكون هذا تمثيلاً كما في قوله
تعالى: (إِنّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السّمَوَاتِ
وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ
فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ
مِنْهَا...)[الأحزاب: 72].
ويدل عليه
قوله: (وَتِلْكَ الأمْثَالُ
نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ).
وهي إشارة إلى هذا المثل وإلى أمثاله في مواضع من التنزيل) (تفسير
النسفي
ج4/ص234).
وقال البيضاوي: (تمثيل وتخييل.. ولذلك عقبه بقوله: (وَتِلْكَ
الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ
يَتَفَكّرُونَ). ( تفسير البيضاوي
ج5/ص323).
وقال السمرقندي: (هذا على وجه المثل، يعني: لو كان الجبل له تمييز
لتصدع من خشية الله) (تفسير السمرقندي ج3/ص409).
وقال الثعالبي: (ضرب الله
سبحانه هذا المثل
ليتفكر فيه العاقل) (تفسير الثعالبي ج4/ص288).
وعن القرطبي:
(أي إنه لو أنزل هذا القرآن على جبل
لخشع لوعده وتصدع لوعيده، وأنتم أيها المقهورون
بإعجازه لا ترغبون
في وعده ولا ترهبون من وعيده) (تفسير القرطبي ج18/ص44).
قال
القفال: (فإذا تقرر أنه تعالى يضرب
الأمثال وورد علينا من الخبر ما لا يخرج إلا على
ضرب المثل وجب حمله
عليه) ( تفسير القرطبي ج14/ص256).
وهكذا حاكت ألفاظ القرآن
دلالات تفوق بكثير
أقصى ما يمكن أن يبلغه فرسان البلاغة وأساطين البيان,
فاستولى
على وجدانهم وأخذ
بألبابهم منذ زمن التنزيل, وأذعن له غلاظ المكابرين وصاروا
أتباعًا مناصرين
قبل أن يكشف أحد أدلة ما فيه من تشريع يسمو بالإنسان إلى
سواء
الفطرة أو علم
بالتكوين يشهد بالتنزيل؛ عن الزركشي: (قال الخطابي: وقلت
في إعجاز
القرآن وجهًا آخر
ذهب عنه الناس فلا يكاد يعرفه إلا الشاذ في آحادهم، وهو
صنيعه
بالقلوب وتأثيره في
النفوس, فإنك لا تسمع كلامًا غير القرآن منظومًا ولا
منثورًا
إذا قرع السمع خلص
له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال, ومن الروعة
والمهابة في
حال أخرى.., قال
الله تعالى: (لَوْ أَنزَلْنَا هَـَذَا الْقُرْآنَ عَلَىَ
جَبَلٍ
لّرَأَيْتَهُ
خَاشِعًا مّتَصَدّعًا مّنْ خَشْيَةِ اللّهِ). وقال تعالى:
(اللّهُ
نَزّلَ أَحْسَنَ
الْحَدِيثِ كِتَابًا مّتَشَابِهًا مّثَانِيَ تَقْشَعِرّ
مِنْهُ
جُلُودُ الّذِينَ
يَخْشَوْنَ رَبّهُمْ) الآية.
قلت: ولهذا أسلم جبير بن مطعم
لما سمع قراءة
النبي -صلى الله عليه وسلم- للطور حتى انتهى إلى قوله:
(إِنّ عَذَابَ
رَبّكَ لَوَاقِع).
قال: "فكأنما صدع قلبي" أخرجه أحمد (16762). وفى لفظ: كاد
قلبي
يطير أخرجه البخاري (4854)، فأسلم.
وفى أثر آخر أن عمر لما سمع سورة طه أسلم
أخرجه الدارقطني
1/123 ، والحاكم4/65 والبيهقي 1/88 وغير ذلك) (البرهان في
علوم
القرآن - الزركشي
ج2/ص106).
وبالمِثْلِ تتساوق الأرقام في القرآن مع الواقع كما
الألفاظ وترسم ظلالاً وصورًا فتتجاوز مألوف دلالاتها,
فالكون بناء ممتد إلى حيث يكل
النظر، لبناته شديدة الترابط لا تتجاوز سبعة آفاق تمامًا
كنُطُق بنية الذرة, والشمس
والقمر من معالم فضاء الكواكب التي يسبح معها بيتنا
المعمور المأهول وحده بينها
بذوي الإدراك, وكان حد معرفة الشعوب قبل عصر المناظير هو
خمسة كواكب معهما تحت سقف
تناثرت عليه النجوم تطوف حول الأرض الساكنة كما يعدها
بمجرد النظر القاطنون، فظنوا
مداراتها هي "السماوات السبع", لكن الكواكب ليست إلا معالم
في الفضاء الأدنى تُطبق
عليها بروج النجوم في مستويات متزايدة العلو؛ التجمع المحلي للنجوم
فالأعظم ثم
المجرة فالتجمع المحلي للمجرات فالأعظم
ثم ما يدعى بالكوازارات, وطبيعة التكوين
الطبقي للكون تنعكس
في الذرة كأصغر لبنة فلا تزيد مستويات مداراتها كذلك عن
سبع,
والكل في حركة
دائبة لا يمل من التسبيح, وبذا اكتسب العدد سبعة معنى
إضافيًّا
يتجاوز دلالة
الإحصاء, فأفاد بلوغ الغاية حتى أفاد في مواضع معنى
الاكتمال أو
التكثير واقترن
بوحدة طابع التكوين والانتظام.

لا تزيد مستويات الطاقة
حول نواة الذرة عن
سبعة مستويات في غاية الانتظام
وفي قوله تعالى: (هُوَ الّذِي خَلَقَ لَكُمْ مّا فِي الأرْضِ
جَمِيعًا ثُمّ اسْتَوَىَ إِلَى السّمَآءِ فَسَوّاهُنّ
سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ
بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)[البقرة:29].
قال أبو حيان: (إنما خلق السماوات سبعًا
لأن السبعة
والسبعين فيه دلالة على تضاعيف القوة والشدة كأنه ضوعف سبع
مرات.. لما
في ذكرها من دليل
المضاعفة؛ قال تعالى: (خُذُوهُ فَغُلّوهُ* ثُمّ الْجَحِيمَ
صَلّوهُ* ثُمّ فِي
سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ*
إِنّهُ
كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ الْعَظِيمِ)[الحـاقة:30- 33].
وقال تعالى:
(اسْتَغْفِرْ لَهُمْ
أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ
سَبْعِينَ مَرّةً
فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ كَفَرُواْ
بِاللّهِ
وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ
الْفَاسِقِينَ) [التوبة:80].
والسبعة تذكر في جلائل الأمور؛ الأيام سبعة, والسماوات سبع, و(نُطُق)
الأرض
سبع, و(السَّيَّارات).. سبعة: زحل والمشتري وعطارد والمريخ والزهرة
والشمس والقمر.
والبحار سبعة, وأبواب جهنم سبعة) (تفسير البحر المحيط لأبي
حيان ج1 ص282).
وورد
عن الأعلام أن السماء التي وردت في
النظم بعد تشكيل الأرض ليست كل ما يعلوها من
الكون وإنما دخان
خرج منها عند بدء تكوينها فشكل طبقات الجو, وهو ما يوافق
الرؤية
العلمية الحديثة
أنها كانت في غاية الالتهاب وما زال باطنها كذلك يمور في
دوامات
هائلة تحمينا منها
طبقة رقيقة مثل قشرة البيضة, نقل الماوردي عنهم أنها:
(الدخان
الذي جعله الله
للأرض سماء) (تفسير النكت والعيون للماوردي ج1ص92).
وكأنهم
فسروا قوله تعالى: (ثُمّ اسْتَوَىَ
إِلَى السّمَآءِ فَسَوّاهُنّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ).
بعد خلق الأرض
بقوله: (ثُمّ اسْتَوَىَ إِلَى السّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ
فَقَالَ
لَهَا وَلِلأرْضِ
ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا
طَآئِعِينَ*
فَقَضَاهُنّ سَبْعَ
سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ..) [فصلت:11،12].
وأجاز ابن
عاشور رأيًا يحفظ للأداة "ثم" أصل
دلالتها على ترتيب الأحداث ويدفع الخلاف حول
أسبقية التكوين؛
الأرض أم السماء؟ بالتمييز بين السماء التي تسبق الأرض في
النَّظم
والتكوين والسماء
التي تلحق بها, قال ابن عاشور (رحمهم الله جميعًا):
(والسماء إن
أريد بها الجو
المحيط بالكرة الأرضية فهو تابع لها متأخر عن خلقها, وإن
أريد بها
(محل الأجرام
السماوية فهي).. أعظم من الأرض فتكون أسبق خلقًا, وقد يكون
كل من
الاحتمالين ملاحظًا
في مواضع من القرآن غير الملاحظ فيها الاحتمال الآخر)
(تفسير
التحرير والتنوير
ج1ص384). وهذا يؤكد تباين دلالة لفظ "السماء" حسب السياق
منها ما
نراه وما هو غيب من ذلك البناء المحيط بنا.
وفي قوله تعالى: (وَلَقَدْ
خَلَقْنَا
فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ..)[المؤمنون:17]. ورد عن
الأعلام تفسيرها
بمسارات الأجرام
السماوية التي تعلونا تارةً وبالسماوات السبع تارةً أخرى,
كما في
قوله تعالى:
(وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا* وَجَعَلْنَا
سِرَاجًا
وَهّاجًا)[النبأ:12،13].
وقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ اللّهُ
سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا* وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنّ
نُورًا وَجَعَلَ الشّمْسَ
سِرَاجًا)[نوح:15، 16]. قال ابن عاشور: (قد عدَّ الله
تعالى- السماوات (العُلَى
كذلك) سبعًا، وهو
أعلم بها وبالمراد منها, إلا أن الظاهر الذي دلت عليه
القواعد
العلمية أن المراد
من السماوات (محل) الأجرام العلوية العظيمة.. ويدل على ذلك
أمور:
أحدها أن السماوات ذكرت في غالب مواضع القرآن مع ذكر الأرض.. فدل على
أنها
عوالم كالعالم الأرضي.. ثانيها أنها ذكرت مع الأرض من حيث
أنها أدلة على بديع صنع
الله تعالى فناسب أن يكون تفسيرها تلك الأجرام المشاهدة)
(تفسير التحرير والتنوير
ج1ص385).
والقرآن يدعو في مواضع عديدة إلى النظر في السماوات كما النظر في
الأرض ومشاهدة دلائل الوحدانية والاقتدار, وقوله تعالى:
(أَوَلَمْ يَرَ الّذِينَ
كَفَرُوَاْ أَنّ السّمَوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا
فَفَتَقْنَاهُمَا..)[الأنبياء:30]. فيه دلالة على وحدة
الأصل في النشأة والتكوين
بينة على وحدانية
الله وقدرته، كما قال غير واحد من المحققين, والمعلوم
اليوم أن كل
الأجرام تتكون من
نفس المواد، وأما وحدة النشأة فهي محصلة جهود المختصين,
وفي
الحقيقة يذهل اليوم
كل عارف بخفايا التكوين أمام تلك الأوصاف المبهرة في
القرآن
والمؤيدة لرسالته.
إن الرقم "واحد" في كل اللغات يعني وحدة الكينونة كاللفظ
"أحد"
بلا تجزئة أو اشتراك بعكس الرقم "اثنين", وأما "الثلاثة"
أو كل ما تجاوز
المفرد والمثنى فهو بداهةً في قواعد
لغات التخاطب "جمع", ولذا تثليث الرقم "واحد"
تناقض صارخ يجعل المفرد والجمع سواء فيناطح المسلمات
الراسخة كالجبال الشوامخ, وأما
الرقم "سبعة" فبينة على العلم بخفايا التكوين تشهد بالوحي
للقرآن الكريم, وهو بصمة
في كيان كل شيء تعلن عن الوحدة والانتظام في طبيعة التكوين
من أصغر لبنة لأكبر
تكوين، فتشهد لكل يقظ فطين بوحدانية الله وقدرته, وهكذا
تسطع حكمة بالغة في حديث
القرآن كما في الكون المنظور لم تتخلف عن بيانها الأرقام
مشاركةً الحشود في
التسبيح, يقول العلي القدير: (أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي
مَلَكُوتِ السّمَوَاتِ
وَالأرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىَ
أَن يَكُونَ قَدِ
اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ
يُؤْمِنُونَ) [الأعراف: 185].
((()))
سؤال5
شبهة حول قوله تعالى: "وأنزل
لكم من الأنعام
..."
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فيما يلي مقال نشر على أحد
مواقع الإنترنت،
يشكّك في القرآن وإعجازه، أرجو من فضيلتكم قراءته والرد
عليه: قال
أشهر علماء العالم
في مؤتمرات الإعجاز العلمي للقرآن الكريم الدكتور (استروخ)
وهو
من أشهر علماء وكالة
ناسا الأمريكية للفضاء، قال: لقد أجرينا أبحاثا كثيرة على
معادن الأرض
وأبحاثاً معملية، ولكن المعدن الوحيد الذي يحير العلماء هو
الحديد،
قدرات الحديد لها
تكوين مميز، إن الإلكترونات والنيترونات في ذرة الحديد لكي
تتحد
فهي محتاجة إلى طاقة
هائلة تبلغ أربع مرات مجموع الطاقة الموجودة في مجموعتنا
الشمسية، ولذلك فلا
يمكن أن يكون الحديد قد تكون على الأرض، ولا بد أنه عنصر
غريب
وفد إلى الأرض ولم
يتكون فيها، قال تعالى: "وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ
بَأْسٌ
شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن
يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ
بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ"[الحديد: 25]
المصدر (الأدلة المادية
على وجود الله) لفضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، يتصور
المسلمون بأن قرآنهم يحوي
معجزات علمية حديثة، وهم في محاولتهم تلك يلوون عنق اللغة
العربية ويجعلون القرآن
ينطق بما لم يخطر على بال كاتبه، في مثالنا هذا حول
المعجزة المزعومة في القرآن بأن
الحديد أتى إلينا من الفضاء الخارجي نجد المحاولة الخائبة
من المسلمين مفضوحة
تماماً بلا ستر أو أستار، لأن القرآن نفسه ينقضها نقضاً
واضحاً، تقول سورة الحديد:
"وأنزلنا
الحديد"، ويحاول مسلم هذا العصر أن يقول لنا بأن مقصد
القرآن بأن الحديد
أنزل من السماء ولم يتكون على الأرض، ولكني يجب أن أتوقف
عند آية مشابهة وأفحصها هي
الأخرى، تقول سورة الزمر الآية 6: "وأنزل لكم من الأنعام
ثمانية أزواج"، يقول ابن
كثير في تفسير الآية: وقوله تعالى "وأنزل لكم من الأنعام
ثمانية أزواج" أي وخلق لكم
من ظهور الأنعام ثمانية أزواج وهي المذكورة في سورة الأنعام، ثمانية
أزواج من الضأن
اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإبل
اثنين، ومن البقر اثنين.
إذاً من الواضح لنا
تماماً بأن هذه
الأنعام ليست إلا حيوانات: إبل، بقر، ضأن، معز. إذًا وجب
علي
الأيمان بأن "أنزلنا
الحديد" تعني نزوله من الفضاء الخارجي إلى الأرض (مخالفاً
كل
تفاسير ثقات المفسرين للآية) يجب علي أن أؤمن بأن الإبل،
البقر، الضأن، المعز كلهم
قد هبطوا إلى أرضنا من الفضاء الخارجي أيضاً. لأن القرآن
يقول: "وأنزل لكم". أو إذا
قلت بأن معنى "وأنزل لكم من الأنعام"، هو خلق لكم من
الأنعام. إذًا يجب أن أسلم بأن
"أنزلنا الحديد" تعني أيضا خلقنا الحديد. وإذا لم تعجبك هذه المقارنة،
قارن أنت
بنفسك آية الحديد إلى الأعراف (26): "يا
بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً" لا تقل لي
بأن اللباس (وهو
الملابس) قد هبطت علينا من السماء أيضاً؟! إذا لم يعجبك
كلامي راجع
تفاسير القرآن بنفسك.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على
رسول الله, وبعد:
جوابا على السؤال حول تباين دلالة لفظ (الإنزال) في موضعين في
القرآن الكريم بين الإنزال الحسي للحديد والإنزال المعنوي
للأنعام وللقرآن وما شابه
تبعا للسياق وكليهما حقيقة واقعة؛ أقول مستعينا بالله
تعالى: إن ظاهرة تباين دلالة
اللفظ تبعا للسياق من الخصائص الأساسية في لغات التخاطب
وهي أجلى ما تكون في لغة
القرآن الكريم, وسماها اللغويون "الوجوه", والدلالات
المعجمية لنفس اللفظ لا يتحدد
إحداها إلا من خلال السياق, وكمثال على ذلك قوله تعالى: (بَقَرَةٌ لاّ
ذَلُولٌ
تُثِيرُ الأرْضَ وَلاَ تَسْقِي
الْحَرْثَ) [البقرة :71]؛ فليس المراد هنا بلفظ
(الأرض) الكرة الأرضية لأن المقام يتعلق
بمشهد معلوم وهو إثارة بقرة للغبار ولذا
يستقيم أن يكون
المراد بلفظ (الأرض) هو التربة, وفي قوله تعالى: (مَن
كَانَ يَظُنّ
أَن لّن يَنصُرَهُ
اللّهُ فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ
إِلَى
السّمَآءِ ثُمّ
لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنّ كَيْدُهُ مَا
يَغِيظُ)
[الحج: 15]؛ ليس
المراد بلفظ (السماء) هنا مطلق الكون أو الجو الذي يعلونا
لأن
المقام يتعلق بمشهد
معلوم وهو مشنوق مربوط إلى ما يعلوه وهو السقف عادة.
ومن
يتتبع مدار لفظ (أنزلنا) في القرآن
الكريم يجده متعلقا بأمر جلل استوجب التعبير
بالتعظيم, وفي مقام
النعمة يجد أن فيض الطيف الدلالي يتباين من مقام إلى آخر
بين
الحسي والمعنوي مع
قاسم مشترك من الدلالات مثل التفضل والإنعام من العلي
القدير
وسبق التقدير من
الحكيم العظيم إلى المحتاج الضئيل بما يستوجب الامتنان
والتعظيم,
وفي مقام النقمة
يتجلى معنى الاقتدار والتهويل.
والدلالة الحسية في
(أنزلنا) لا تُستبعد إلا بقرائن صارفة
ولا تنفي الدلالة المعنوية, وفي قوله تعالى:
(يَا أَيّهَا النّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ
بُرْهَانٌ مّن رّبّكُمْ وَأَنْزَلْنَآ
إِلَيْكُمْ نُوراً مّبِينا) [النساء:
174]؛ يتعلق المقام بوصف القرآن كنعمة تستوجب
الامتنان لما فيه
من رحمة للبشرية فناسبه تعبير (الإنزال), وهو كقوله تعالى:
(وَأَنزَلَ لَكُمْ
مّنَ الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) [الزمر :6]؛
وأجناسها
على النحو التالي:
الضأن والمعز والإبل والبقر, وتمثل لحومها وألبانها أهم
مصادر
الغذاء لسكان
البادية, وتعبير (الإنزال) يكشف مدى الرحمة والإنعام في
إيجاد تلك
المواشي المعبر
عنها بلفظ (الأنعام), وفي قوله تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمْ
مّن جُلُودِ
الأنْعَامِ
بُيُوتاً تَسْتَخِفّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ
إِقَامَتِكُمْ
وَمِنْ
أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثاً
وَمَتَاعاً إِلَىَ
حِينٍ) [النحل
:80]؛ منافع إضافية غير اللحوم والألبان وهي منتجات الجلود
كالصوف في
زمهرير الصحراء,
ولبيان هذا
|