كتابات وأبحاث الدكتور محمد السقا عيد

بسم الله الرحمن الرحيم

التلقيح الصناعي.000وجهة نظر إسلامية

( اضغط لتحميل الصفحة كملف مضغوط)

 لقد استهدف الإسلام من بين مقاصده الضرورية المحافظة على النسل ، ولذا فقد شرع النكاح وحرم السفاح والتبني ، وقد جعل الإسلام الاختلاط المباشرة بين الرجل والمرأة هو الوسيلة الوحيدة لإفضاء كل منهما بما استكن فى جسده . قال تعالى :

 وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا ((الفرقان : 54)

 فى هذه الآية امتن الله سبحانه وتعالى على عباده بالنسب والصهر وعلق الأحكام فى الحل والحرمة عليهما ورفع قدرهما. ومن أجل هذه المنة كانت المحافظة على النسل من المقاصد الضرورية التى استهدفتها أحكام الشريعة.

 جلب المنافع ودفع المفاسد :

وفى هذا قال حجة الإسلام الإمام الغزالي : ( إن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الحق وصلح الخلق فى تحصيل مقاصدهم ، لكننا نعنى بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع ، ومقصود الشرع من الخلق خمسة : وهو أن يحفظ عليهم دينهم وأنفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة وكل ما يفوت هذه الأصول الخمسة فهو مفسدة ودفعها مصلحة ) ( الممتصفى للغزالى جـ1ص287).

 ومن أجل المحافظة على النسل شرع الله النكاح وحرم السفاح  ) ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة( (الروم : 21) . ) ولا تقربوا الزنا إن كان فاحشة وساء سبيلا (

 ينشأ بين أبوين يبذلان فى سبيل تربيته والنهوض به والمحافظة عليه النفس والنفيس. أما ولد الزنا عار لأمه ولقومه إذ لا يعرف له أب وبذلك ينشأ فاسدا مهملا ويصبح آفة مجتمعه .

 

وإن كان فقهاء الشريعة قد عرضوا لهذا النوع من الأولاد وحثوا على تربيته والعناية به وأوصلوا أحكامه فى كتب الفقه تحت عنوان " باب القيط " ذلك لأنه إنسان لا يسوغ إهماله وتحرم إهانته ويجب إحياؤه:  )ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ( ( المائدة :32) وذلك ارتقابا لخيرة واتقاء لشره.

 

ومن هنا كان حرص الإسلام، على سلامة الأنساب بالدعوة إلى الزواج وتشريع أحكامه وكل ما يضمن استقرار الأسرة منذ ولادة الإنسان وحتى مماته.

 وبالجملة فقد نظم الإسلام حياة الناس أحسن نظام وأقومه بالحكمة والعدل مع الإحسان ومراعاة المصلحة . وإذا كان النسب فى الإسلام بهذه المثابة فقد أحيط كغيره من أمور الناس بما يضمن نقاءه ويرفع الشك فيه.

 فجاء قول الرسول r كما رواه البخارى ومسلم عن عائشة " الولد للفراش وللعاهر الحر " والمراد بالفراش أن تحمل الزوجة من زوجها الذان بها برباط الزواج الصحيح فيكون ولدها ابنا لهذا الزوج .

 

والمراد بالعاهر : الزاني ، وبهذا قرر الحديث الشريف قاعدة أساسية فى النسب تحفظه حرمة عقد الزواج الصحيح وثبوت النسب أو نفيه تبعا لذلك . ومن ثم فمتى حملت امرأة ذات زوج من الزنا معها أو أغتصبها لأن الفراش الزوجية الصحيحة قائم فعلا .

 كذلك فمن وسائل حماية الأنساب - فوق تحريم الزنا - تشريع الاعتداد للمرأة المطلقة بعد دخول الزوج المطلق عليها ، وحتى بعد خلوته معها خلوة صحيحة شرعا.  

كذلك حرم الإسلام - بنص القرآن الكريم - ( التبنى ) بمعنى أن ينسب الإنسان إلى نفسه إنسانا آخر نسبة الابن الصحيح لأبيه أو أمه مع أنه يعلم يقينا أنه ولد غيره.

 وذلك صونا للأنساب وحفظ حقوق الأسرة التى رتبتها الشريعة الإسلامية على جهات القرابة : وفى هذا قال الله سبحانه : ) وما جعل أدعاياءكم أبناءكم ..( ( الأحزاب :4).

 وبهذا ليعترف الإسلام بمن لا نسب له ، ولم يدخله قهرا فى نسب قوم يأبونه ، ولا تتخلق نطفه الرجل إذا وصلت إلى رحم المرأة المستعد لقبولها، وقد يكون هذا الوصول المستعد لقبولها ، وقد يكون هذا الوصول عن طريق الاختلاط الجنسي ( الجماع ) عندئذ يكون نسب الوليد من هذا الاتصال موصولا بأبيه متى كان قد تم فى ظل عقد الزواج الصحيح (الولد للفراش) وقد يكون عن طريق إدخال نطفة الرجل فى رحم المرأة بغير الاتصال الجسدي وفى هذا أقوال كثيرة .

 أقوال العلماء فى التلقيح :

1- إذا أخذ منى الزوج ولقحت به الزوجة التى لا تحمل بشرط وجود الزوجين معا فمن المعروف أن الهدف الأسمى من العلاقة الزوجية هو التوالد حفظا للنوع الإنساني .. ويتأتى هذا عن طريق الاختلاط وهو الوسيلة الأساسية والوحيدة لإفضاء كل منهما بما استكن فى جسده واعتمل فى نفسه حتى تستقر النطفة فى مكمن نشوئها كما أراد الله وبالوسيلة التى خلقها فى كل منهما ، لا يعدل عنها إلا إذا دعت دواعيه كأن يكون بواحد منهما ما يمنع حدوث الحمل بهذا الطريق الجسدي المضاد مرضا أو فطرة وخلقا من الخالق سبحانه .

 فإذا كان كل شيء من ذلك وكان تلقيح الزوجة بذات منى زوجها دون شك فى استبداله أو اختلاطه بمنى غيره من إنسان أو مطلق حيوان جاز شرعا إجراء هذا التلقيح .

 

2- إذا أخذ منى رجل غير الزوج ولقحت به الزوجة ..هذا غير صالح ومحرم شرعا لما يترتب عليه من اختلاط الأنساب بل ونسبة ولد إلى أب لم يخلق من مائه ، وفوق هذا ففي مثل هذه الطريقة - من التلقيح إذا حدث بها الحمل - معنى الزنا ونتائجه وكما نعرف فالزنا محرم بنص الكتاب والسنة .

3- لو أخذ منى الزوج ولقحت به بويضة امرأة أخرى غير زوجته ثم نقلت هذه البويضة الملقحة إلى رحم زوجة صاحب المنى ، لأن هذه الأخيرة لا تفرز بويضات .. صورته كسابقتها تدخل فى معنى الزنا والولد الذي يتخلق ويولد من هذا الصنيع حرام بيقين لالتقائه مع الزنا المباشر فى اتجاه واحد . ويؤدى إلى اختلاط فى الأنساب وذلك ما تمنعه الشريعة الإسلامية التى تحافظ على سلامة أنساب بنى
الإنسان . ذلك لأنه وإن كان المنى للزوج ولكنه - كما هو معروف - لا يتخلق إلا بإذن الله وحين التقائه ببويضة الزوجة وجيء ببويضة امرأة أخرى ومن ثم لم تكن الزوجة حرثا فى هذا الحال لزوجها من أن الله سبحانه وتعالى سمى الزوجة حرثا كما قال تعالى: 
) نساؤكم حرث لكم ( (البقرة : 223) .

 فكل ما تحمل به المرأة لابد أن يكون نتيجة الصلة المشروعة بين الزوجين سواء باختلاط أعضاء التناسل فيهما كالمعتاد أو بطريق استدخال منيه إلى ذات رحمها ليتخلق وينشأ كما قال سبحانه وتعالى :

) يخلقكم فى بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق فى ظلمات ثلاث ( (الزمر :6)

 وإذا كانت البويضة فى هذه الصورة ليست لزوجة صاحب المنى وإنما لامرأة أخرى لم يكن نتاجها جزءا من هذين الزوجين بل من الزوج وامرأة أجنبية محرمة عليه ، فلا حرث فعلا ، فصارت هذه الصورة فى معنى الزنا المحرم قطعا كسابقتها .

 4- إذا أخذت بويضة امرأة لا تحمل ولقحت بمنى وزوجها خارج رحمها (أنابيب) ثم بعد الإخصاب :

1- تعاد البويضة الملقحة إلى رحم الزوجة مرة أخرى .

2- وإذا كان مكان الأنابيب حيوانات تصلح لاحتضان هذه البويضة أى تحل محل رحم هذه الزوجة لحين أو لفترة معينة يعاد الجنين بعدها إلى رحم ذات الزوجة ..

أ- إذا حدث هذا دون استبدال وخلط بمنى آخر وكان هناك ضرورة طبية داعية لذلك الإجراء كمرض الزوجة مرضا يمنع الاتصال العضوي مع زوجها أو كان به مرض يمنع ذلك ونصح طبيب حاذق مجرب بأن الزوجة لا تحمل إلا بهذا الطريق . ولم تستبدل الأنبوبة التى تحتضن فيها بويضة ومنى الزوجين بعد تلقيحهما كان الإجراء فى هذه الصورة جائزا شرعا .

 وذلك لأن الأولاد نعمة وزينة وعدم الحمل كعائق وإمكان علاجه أمر جائز شرعا ، بل قد يصير واجبا فى بعض المواطن .

 فقد جاء أعرابي فقال يا رسول الله أنتداوى ؟ قال : نعم فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله ( رواه أحمد، نيل الأوطار للشوكانى جـ 8 ص 200 فى أبواب الطب ) .

 ب- سيكتب هذا المخلوق صفات هذه الأنثى التى اغتذى بدمها فى رحمها وائتلف معها حتى صار جزءا منها ، فإذا تم خلقه وآن خروجه يدب على الأرض كان مخلوقا آخر .ألا ترى حين ينزل والحمار على الفرس وتحمل هل تكون ثمرتهما لواحد منهما ..؟ إنه يكون خلقا آخر صورة وطبيعية . هذا إن بقيت البويضة بأنثى غير الإنسان إلى حين فصالها .

 أما إذا انتزعت بع التخلق وانبعاث الحياة فيها وأعيدت إلى رحم الزوجة فلا مراء كذلك فى أنها تكون قد اكتسبت الكثير من صفات الإنسان التى احتواها رحمها ولا مريه فى أن هذا المخلوق يخرج على غير طباع البشر . لأن وراثة الطباع والصفات أمر ثابت بين السلالات حيوانية ونباتية تنتقل مع الوليد وإلى الحفيد .. ذلك أمر قطع فيه العلم ومن قبله الإسلام ( ألا يعلم من خلق ) ( الملك : 14 ) .

 التوجيه النبوي فى حسن الاختيار

لهذا يدلنا المصطفى الكريم على نصائح فى اختيارنا للزوجة فيقول عليه السلام ( تخيروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء ) فتح الباري فى شرح صحيح البخارى جـ9 ص 102 وقال ( إياكم وخضراء الدمن ) رواه الدارقطنى من حديث أبى سعيد الخدرى إحياء علوم الدين جـ 4 ص 724) .

هذه التوجيهات تشير إلى علم الوراثة وأن أرث الفضائل والرذائل ينتقل من السلالة ولعل الحديث الشريف الخير واضح الدلالة فى هذا المعنى .(وخضراء الدمن) هي المرأة الحسناء فى المنبت السوء . و(الدمن) تفسره معاجم اللغة بأنه ما تجمع وتجمد من روث الماشية .فكل ما نبت فى هذا الروث وإن بدت خضرته ونضرته إلا أنه يكون سريع الفساد ، وكذلك المرأة الحسناء فى المنبت السوء تنطبع على ما طبعت عليه لحمتها وغذيت به .

 ولعل نظرة الإسلام إلى علم الوراثة تتضح جلبا فى هذا الحوار الذي دار بين الرسول وضمضم بن قتادة إذ يقول يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلاما أسود قال : هل لك من إبل : قال نعم فما ألوانها : قال حمر: قال هل فيها من أورق ( فى لونه سواد) قال نعم . قال فأنى ذلك ؟ قال لعله نزعه عرق قال “ فلعل ابنك هذا نزعه عرق.( رواه البخارى ومسلم عن أبى هريرة فى بلوغ المرام لابن حجر العسقلانى ، وشرح سبل السلام جـ3 ص246 فى باب اللعان ). 

 

وبهذا ترى أن البويضة الملقحة التى نقلت إلى رحم أنثى غير الإنسان تأخذ منه مالا فكاك لها منه إن قدرت لها الحياة والبيت على الأرض ، وبذلك إن تم فصاله ودرج هذا المخلوق على صورة إنسان لا يكون إنسانا بالطبع والواقع . ومن يفعل ذلك يكون قد أفسد خليفة الله فى أرضه .

 

ومن الفوائد التى أصلها فقهاء الإسلام أخذا من مقاصد الشريعة الإسلامية أن درء المفاسد مقدم على جلب المنفعة لأن اعتناء الشرع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات .يدل على هذا قول الحق تعالى :
) فاتقوا الله ما استطعتم ( ( التغابن : 16 ) .

 وقول الرسول عليه السلام : ( فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه )  رواه مسلم .

 وإذا كان التلقيح فى هذه الصورة مفسدة آية مفسدة فإنه يحرم فعله .

 

حكم الطبيب القائم بالتلقيح :

ولنتسأل الآن: ما هو وضع الطبيب الذي يجرى التلقيح بهذه الصورة؟ يتعين على الطبيب الذي يجرى هذا النوع من التلقيح أن ينظر إلى كل صورة يجريها حتى يتحدد وضعه ومسئوليته شرعا . فإن كانت الصورة مما تبين تحريمه قطعا على الوجه المبين فى ما سبق كان الطبيب آثما وفعله محرما وكذلك كسبه ، لأن الإسلام إذا حرم شيئا حرم الوسائل المفضية إليه حتى لا تكون ذريعة للتلبس بالمحرم ، لهذا حرم على المسلم المشي إلى مكان ترتكب فيه الكبائر كحانة الخمر أو بيت القمار حتى لا يقع فيه .

 

وكذلك حرم عليه النظر إلى محاسن المرأة الأجنبية أو الخلوة بها لأن النظرة والخلوة من وسائل الوقوع فى المحرم وهو الزنا . أما إذا كان بالطرق الشرعية التى سبق أن أوردناها فلا بأس فى ذلك لأنه يقع فى دائرة إباحة التداوي التى قد تكون سبيلا للرزق بولد شرعي تستكمل به سعادتهما النفسية والاجتماعية فى هذه الحياة .

 

إطلاق العنان فى مجال التلقيح الصناعي :

تعالت كثير من النعرات فى الآونة الأخيرة لإنشاء مستودع ( بنك ) تستجلب فيه نطف الرجال الأذكياء أو ذوى الأجسام القوية لتلقح بها أنثى رشيقة القوام سريعة الفهم لإثراء الصفات فى الجنس البشرى .. وهذه تصلح فقط لتحسين سلالات الحيوانات التى لا تعرف لها أبا .. وكذلك فمن النباتات التى تسمق سيقانها حاملة وفير الثمار وذلك أمر مشروع .

 

أما هذا الاقتراح فهو شر مستطير على نظام الأسرة ونذير شؤم لها . لهذا فمن باب سد الذرائع  وصونا للأنساب يحرم الإسلام الانطلاق فى مجال التلقيح الصناعي لتوالد الإنسان ولا يجيزه - كما سبق - إلا بين الزوجين وبالشروط السابقة الذكر .

 وبديلا لهذه البنود وجه الإسلام الإنسان إلى المحافظة على قوة نسله وسلامة جسده ونفسه وذلك بإحسان اختيار كل من الزوجين للآخر .

 وإلى الاغتراب  فى الزواج بمعنى ترك الزواج من ذوى القربى القريبين حتى لا يضوي النسل ويضعف كما قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه ناصحا إحدى القبائل ( قد أضويتم فانكحوا الغرائب ) وقيل قديما  (بنات العم أصبر والغرائب أنجب).

هذه المعايير هي المعايير المشروعة التى يقرها الإسلام للحفاظ على النسل - نسل الإنسان - سليما قويا لا تلك التى يتنادى بها بعض الناس مقلدين  أقواما أغوتهم المادية وانغمسوا فيها وتحللوا من كل قيم الدين فحسبوا الإنسان ونسله مزرعة تجارب .. مزرعة للنباتات أو الحيوانات مع أن الله قد كرم الإنسان وأعلى قدره وسخر له ما فى السموات والأرض .                                ...***... 

  د. محمد السقا عيد

 

 ( قم بالعودة إلي الفهرس )

أرسل لنا اقتراحك في خطة هذا البحث من خلال مراسلتنا اضغط هنا .

بسم الله الرحمن الرحيم "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)" سورة العلق.

على اسم الله والشورى ، جعلنا الدين دستورا ، وسرنا في طريق الحق ، كان كتابنا النورا